مغادرون .. وقادمون !
ولم تطل إقامتي في مهجع 28
كذلك ، فلم ألبث أن نقلت من جديد إلى مهجع السل 18 في الباحة الرابعة فكانت
محطة قصيرة أخرى ، حدث خلالها أن قامت إدارة السجن بنقل الشيوعيين ومجموعة
أخرى من السجناء الأحداث إلى سجن صيدنايا الذي بني حديثاً وقتها . فلما خلا
المستوصف من الشيوعيين نُقلت إليه مع مجموعة من السجناء الآخرين . ثم لم نلبث
في هذه الفترة العصيبة أن تناهى لأسماعنا وصول دفعة جديدة من المعتقلين حلوا بدلاً
عن المغادرين إلى صيدنايا . ولقد بلغنا أن الوافدين الجدد اتهموا بحوادث
تفجير باصات وقطارات وقتها ، وأن عددهم كان بين الستين والسبعين ،
عزلوهم كلهم في مهجع مستقل وسلطوا عليهم أشد أنواع العذاب حتى قضى عدد منهم حتفه .
ولقد كنا نسمع أصواتهم وهم يعذبون ونتلقى نتفاً من أخبارهم من هنا وهناك ،
غير أننا لم نلتق بهم ولم نعرف عن مصيرهم شيئاً مؤكداً بعد ذلك .
وبعد أن مكثت هناك فترة تم
نقلي ثانية إلى مهجع 29 . ثم لم ألبث أن نقلت مرة أخرى إلى مهجع 28 .
وبعد حوالي خمسة أو ستة أشهر تالية نقلت من جديد إلى مهجع 22 في الباحة
الرابعة . وفي هذا المكان تعرضت إلى محنة جديدة كدت أن أفقد حياتي بسببها
وقتذاك . ورأيت من الأهوال هناك ما كاد ينسيني كل هذا الذي رأيت وعانيت من
قبل !
حتى في المنام !
كانت الأسابيع الأولى التي
أمضيتها في مهجع 22 كالواحة التي فاجأت عابراً أنهكه العطش وهدّه التعب في صحراء
قاحلة . فمن قبل كنا في المهاجع الأخرى معرضين ليل نهار لمراقبة الشرطة من
فوق الشراقات . ولم نكن بذلك نأمن شرورهم بسبب كان أو من غير سبب . فلما
جئت مهجع 22 وجدته من غير شراقات . ووجدتنا على الرغم من الشدة المحيطة وسوء
الأحوال نغتنم هذه الفرصة ونتنعم بها أيما تنعم . فوقتها استطعنا من أن نعود
إلى صلاة الجماعة ونؤديها بشكل طبيعي بعد أن حرمنا ذلك كل هاتيك السنين .
وصار أحدنا إذا أراد أن يتحدث في الأوقات التي لا يتردد الشرطة فيها علينا وقف
وتكلم وأنصت له الباقون وحاوروه وشاركوه .
كذلك كانت تلك الفترة
استثنائية بالنسبة لتوفر الطعام أيضاً . فلم يكن عددنا قد جاوز الستين ولكننا
كنا نتلقى طعاماً مخصصاً لحوالي المائة والخمسين وفق ما اعتاد الشرطة أن يحشروا في
هذا المهجع وفي سواه . ولقد تم اختياري رئيساً للمهجع 22 أيضاً من أول ما
وصلت إليه .
لكن هذه النعم لم تطل .
ومع اشتداد الأحوال في السجن عام 1988 وازدياد الأوامر صرامة وقسوة فوجئنا
بالإدارة تقرر فتح شراقتين في سقف المهجع 22 أسوة ببقية المهاجع الأخرى .
وعاد التنفس ليصبح مرتين في الصبح وفي المساء . ومع كل موعد تنفس حفل تعذيب ..
ومع كل فتحة باب للتفقد أو لإدخال الطعام حفل آخر . ولم تلبث أن صدرت إلينا
الأوامر لأول مرة خلال فترة سجننا بالكامل أن نغطي أعيننا ونحن نيام !
وألزمونا أن يحتفظ كل منا بطماشة دائمة معه ليغطي بها عينيه حين النوم .
علاوة على أن يكون النائم دائماً على جنبه باستمرار . فعدنا بذلك إلى وضعية
الإنكشاف المستمر للشرطة الذين يتجولون فوق المهاجع باستمرار . وصار واحدهم
إذا شاهد من الشراقة أحداً منا يتقلب في الليل خلال نومه أو يتحرك حتى ولو من غير
إرادته صاح بالحرس الليلي أن يوقظه ويعلّمه . فإذا أصبح المسكين كان الشرطي
وعذاب لا يعلمه إلا الله في انتظاره !
ولكم كان الشرطي يطل على
المهجع بعد منتصف الليل يتصيد أحداً يشبع فيه تشهيه للقتل والتعذيب . فإن لم
يجد كان أسهل ما يكون عليه أن ينادي على الحرس الليلي ويأمره أن يعلّم نفسه !
بل إنهم كانوا يحضرون في الصباح ويسألون رئيس المهجع أين المعلَّم . فإن لم
يكن الشرطي قد علّم أحداً ليلتها قالوا له : أخرج الحرس الليلي من ساعة
الثانية عشرة إلى الواحدة مثلاً . فيخرجونه ويتسلون بتعذيبه وضربه من غير أي
سبب .
وضاعف الشرطة من ترصدهم
للمصلين . وصار أمراً اعتيادياً أن يخرجوا رئيس المهجع ويسألونه عن أسماء
الذين لا يزالون يصلون عنده . ولقد حدث ذلك معي مرات عديدة . فأخرجوني
وسألوني وضربوني لأقدم لهم أسماء من يصلي أو يُدَرِّس في المهجع !
طلاق بالإكراه
ومن مشاهد تلك الفترة التي لا
تزال تحضرني قصة طبيب أسنان من دمشق اسمه رضوان العمر استدعوه بعد حوالي تسع سنوات
مضت على اعتقاله وأمروه في الذاتية أن يوقع على ورقة طلاق زوجته . وذعر
الأخ .. ورفض أن يفعل . لكن جلسة التعذيب التي أتبعت رفضه جعلته يوافق
مكرهاً . فكانت من ثم القاصمة له . ووجد نفسه بعد هذي السنوات يفقد زوجه
وطفله من غير إرادته ومن دون أن يعرف السبب ، ومن قبلهما فقد شبابه وحريته مع
ألوف من خيرة أبناء الوطن مثله . ولا أدري ما الذي حل بالأخ بعدها ، لكن
آثار محنته الأخيرة تلك نزلت عليه كانت أثقل ربما من كل ما نزل به طوال سني
اعتقاله . ولم يكن له ولا لنا أمام ذلك كله إلا التسليم والإحتساب
الفأرة !
ولقد كان أمراً شائعاً منذ
بدايات أيامنا في تدمر أن يأمرنا الجلادون بتناول بقايا الطعام من بين القمامة
وأكلها عنوة ، أو التقاط ذبابة أو صرصار يصادفنا في الباحة وابتلاعه .
ولم يكن بعضهم ليتورع عن البصاق على الأرض وإجبار واحد من السجناء على لحس بصاقه
بعده . لكننا وعندما حان موعد الطعام في يوم من أيام عام 1989 ووصل الدور على
مهجع 18 المقابل لمهجعنا على الباحة الرابعة سمعنا لغطاً من هناك أثار
انتباهنا . فأسرعت كعادتي وجعلت أسترق النظر من شق في باب المهجع أستطلع
الأمر . فرأيت الشرطة منكبين على رئيس المهجع من بيت خريطة من الزبداني -
وكان نقيباً في الجيش قبل اعتقاله - يضربونه ويركلونه وهو عاري الصدر بين أيديهم
ويأمرونه بابتلاع شيء بالإكراه يحمله بيده . فلما دققت النظر وجدتها فأرة
ميتة ينهالون عليه ضرباً ويجلدونه واحداً بعد الآخر وهم يأمرونه أن يبتلعها .
والأخ المسكين برغم كل هذا العذاب لا يستطيع أن يفعل . حتى إذا اشتد عليه
الضرب وأرهقه الجلد وخارت قواه دسوا الفأرة في فمه دساً وبلعوه إياها ورموا به في
المهجع . وكان يتولى كبر هذه العملية شرطي منهم كان يسمي نفسه أبا غضب .
وكان أشد ما يحلو له أن يصفع الواحد منا بكفه التي تملؤ قدراً وتفيض فيكاد يخرق له
طبلة أذنه وهو يقول بانتشاء : خذها من أبي غضب ولا !
ولم تمض من الزمن برهة حتى دق
رئيس مهجع 18 الباب وأخبر الشرطة بشيء لم أفهمه تماماً . لكنني عدت وسمعت
أصداء حديث يدور حول الفأرة . وفي المساء حضر أبو غضب إلى مهجعنا ونادى على
المسؤول الصحي لدينا وكان الأخ غسان عبد الباقي من حماة ، وسأله ما الذي يمكن
أن يحدث للإنسان إذا أكل فأرة .. هل يموت ؟ وقتها لم يجد الأخ إلا أن
يتملص من الإجابة ويقول له لا . قال له أبو غضب : انقلع . وأقفل
الباب ومضى . ولم نتبين ما الذي جرى للأخ بالتحديد ، لكننا أدركنا أن
ضرراً أصابه ، وأنه لم يكن بالضرر المعتاد . الأمر الذي جعلهم يعطون
الأمر بعض الأهمية فيسألون ويستفسرون !
إلى المزبلة !
وهكذا لم ينقطع العذاب
أبداً . ولم يتوقف الإرهاب والضغوطات النفسية لا في الليل ولا في
النهار . ولم يعد واحدنا ينعم بأدنى حد من الراحة حتى ولو في المنام .
فكادت النفوس أن تنهار ، وبلغ الصبر فينا منتهاه . وانتهى الحال ببعضنا
أن فقد عقله أو كاد . وفي ليلة باردة من ليالي شهر كانون الأول من عام 1989
صحونا على صوت أحد السجناء من مهجع 20 القريب يصيح ويشتم الشرطي بملء فمه .
وسرعان ما حضر عدد من الشرطة العسكرية نحس وقع أقدامهم ونسمع أصواتهم ونادوا عليه
يسألونه :
شو مالك ولا ؟
ولم يكن الحوار كله واضحاً
لنا ، لكننا سمعناهم يأمرون رئيس المهجع أن يربط الأخ ويضعه في
"البخشة" وهو الحمام كما كانوا يطلقون عليه . وفي الصباح جاء مساعد
السجن محمد نعمة فأخرجه ورماه إلى الزبانية الذين وضعوه في الدولاب أمام المهجع
وانهالوا عليه ضرباً جعله يهز الباحة بصراخه واستغاثته . وعندما أتى وقت
التفقد أخرجوه مرة ثانية وجعلوا يضربونه ويعفسونه حتى لم يعد يبلغنا منه لا صوت
ولا حركة . ثم أمروا رئيس المهجع أن يدخله . وبعد قليل قرع رئيس المهجع
الباب وأبلغهم - ونحن نسمعه بآذاننا - أن واحداً في مهجعه قد توفي . فلم
يزيدوا أن قالوا له - والله - :
خذوه وكبوه في الزبالة !
ورأيتهم من شق الباب يسحبون
الأخ ويمضون به .. فيما مضى القتلة إلى برنامجهم المعتاد من غير أن يهتز لهم
طرف أو تختلج فيهم عضلة !
انهيار
ومع تزايد الضغوط وبلوغ البطش
الذي نناله من الشرطة حداً لا يوصف ظهرت بيننا حقيقة الأمر حالات من الإنهيار
النفسي لم تكن تدل على ضعف أصحابها قدر دلالتها على درجة التعذيب الوحشي والمعاناة
المرة التي تتنزل علينا جميعاً حتى تفتن منا عن دينهم . وفي هذا الصدد أذكر
تماماً أن واحداً من السجناء رفض ذات صباح أيقظوه فيه للصلاة أن يفعل . وأخذ
الأخ - غفر الله له - الأمر موقفاً من يومها . وصار على الرغم من خلفيته
الثقافية العالية يجيب سائليه بأن الله قال ( إن تنصروا الله ينصركم ) . وها
نحن نصرناه فلم يجبنا وينتصر لنا فلماذا الصلاة إذاً ؟
وعلى الرغم من فظاعة القول
وما تبعه ، ومع أن كل الذين لم يتزلزلوا عن إيمانهم بالله ولم يحيدوا عن
إسلامهم كانوا يعانون نفس معاناة ذلك الأخ ويعيشون المحنة مثله ، إلا أننا
عذرناه ودعونا له بالثبات والهداية . فإذا كان الفقر وحده كفراً أو
يكاد ، فكيف بكل نوازل الفقر والقهر والعذاب والجوع والرعب تتنزل على تلك
الفئة العزلاء من غير حول لها ولا قوة طيلة عشر سنوات !
350 جلدة !
لم يمض أسبوع على الجريمة
الأخيرة للزبانية في مهجع 20 حتى وقعت محنتي أنا . فبينما كنت وباقي الإخوة
في المهجع حوالي الساعة العاشرة صباحاً من يوم 20/12/89 حضر واحد من الشرطة
العسكرية وناداني وقال :
رئيس المهجع لهون .
قلت : حاضر سيدي .
قال : شو هالصوت عندك
ولا ؟
قلت : ما في عندي صوت
سيدي .
قال : لأ الصوت عالي
عندك .
قلت : حاضر سيدي
بِنْوَطي الصوت .
ومن غير أن يزيد الكلام عن
هذه العبارات حرفاً واحداً وجدته يبادرني ويقول :
أنا بدي أعمل هيك وهيك من
أمك . شو ؟
فلما أردت أن ألتزم الصمت
وأدع الإستفزاز يمر عاد وسألني باستفزاز أشد يريدني أن أجيب فأقع في حبال
مكره :
شو ؟
قلت ولم يعد أمامي بد من الإجابة
مكرراً ما قال حرفياً : أنا بدي أعمل هيك وهيك من أمك .
فصعق الزنيم وصاح وهو لا يكاد
يصدق ما يسمع : أنت عم بتسبني يا ....
قلت أحاول أن أطفىء جهنم هذه
التي اشتعلت في قلبه الأسود : لا سيدي . أنت قلت لي أن أعيد وراءك
ففعلت !
فتركني هكذا مكاني وذهب مهرولاً
إلى الذاتية ، ليعود بعد بضع دقائق ومعه المساعد وجمع من الشرطة يحمل أحدهم
الدولاب . وتقدم الرقيب مني وسألني عم حدث فأخبرته . فقال لي
مستهزئاً :
انزل في الدولاب إذاً فهذا لن
يضرك .
فلم أجد مفراً من
الإنصياع . وما أن نزلت في الدولاب حتى نزلت العصي والسياط علي . وبدأت
أصيح وأصيح وأصيح .. والألم ينهش جلدي ولحم قدمي اللتين تفتحتا تحت الضرب حتى
لم أعد أحس بهما آخر الأمر . وعندما بلغت الضربات حوالي 350 جلدة
أطلقوني . فلم أستطع العودة إلى المهجع إلا زحفاً . وارتميت على أقرب
جدار وصلت إليه وأنا أكاد أغيب عن الوعي .
"فرخ
راتب" !
غير أن وقت التفقد في المهجع
لم يلبث أن حان . وكان المفروض أن أنهض وأقدم الصف باعتباري رئيس
المهجع . فلما لم أقدر تولى نائبي الأخ عماد ذلك وقدم الصف . لكنهم ولما
لم يجدوني أمامهم سألوه عني فأخبرهم أنني مريض . فأمروه أن يخرجني إليهم .
فحملني الإخوة حملاً ووضعوني أمام الشرطة لينهال الزبانية علي ضرباً وركلاً من
جديد . ويأمرونني أن أخرج لمثل هذا اللقاء كل يوم .
ومن يومها صار لزاماً علي أن
أنال ثلاث وجبات من العذاب يومياً على أقل تقدير . وفق عدد المرات التي يفتح
علينا الباب فيها . وعدا ذلك تولى في الليل أمري شرطي آخر كنا نسميه
"فرخ راتب" لأنه أتى في صوته وشراسته على شاكلة شرطي آخر سبق وعانينا من
عدوانيته وجبروته عام 84 اسمه راتب . فجاء "فرخ راتب" هذا أول ما
جاء ليلتها وسأل أين رئيس المهجع . فقالوا له أنه مريض ونائم . فأمرهم
بإيقاظي . فلما وقفت بين يديه أمرني أن أتولى الحراسة الليلية حتى
الصباح . وكانت العادة أن يوزع رئيس كل مهجع هذه المهمة على عدد من السجناء
ليكون نصيب الواحد منهم ساعة أو ساعتين من الحراسة وحسب . لكنه ألزمني بتولي
المهمة كلها طوال الليل . وانتهت نوبة "فرخ راتب" عند الساعة
الواحدة بعد منتصف الليل . وبقيت أنا أغالب النوم وأجتر الألم وأسأل الله
الفرج . وعند الساعة الرابعة حضر "فرخ راتب" لنوبته الجديدة
ونادى :
حرس ليلي .
فقفز قلبي من مكانه وناديت
مجيباً : حاضر .
قال : اشلح
بالشورت .
ففعلت وأنا أستعيذ الله بسري
من شره ومكره . فلما فعلت أمرني أن أوقظ مساعدي ، فأيقظته . فقال
"فرخ راتب" لي :
اجلس جاثياً .
فجلست . وأمر نائبي عماد
أن يملأ بيدوناً بالماء ويصبه فوقي . فلم يجد الأخ إلا أن يطيع . وتكرر
الأمر ، ونفّذ الأخ . وفي تلك الليلة الباردة من شهر كانون الثاني صب
"فرخ راتب" علي سبعة بيدونات من الماء البارد ملأت أرض المهجع وبللت
بطانيات كل من كان قريباً من مكاني . فلما انتهى أمرني أن أعاود الحراسة حتى
الصباح فنفذت الأمر . وعند الساعة السادسة صباحاً سلم "فرخ راتب"
نوبته ومضى . ولم يلبث أن عاد في السابعة وفتح الباب . وأمرني أن أبقى
مكاني بالشورت حتى يطلبني من جديد .
وعندما حان وقت الإفطار
ناداني إلى الخارج وانهال علي جلداً بالسوط حتى كاد يهلكني . ولم يخفف صراخي
ورجاءاتي وتوسلاتي من الأمر شيء . حتى إذا أحس أنه أطفأ ظمأ الهمجية التي
لديه أرسلني . فزحفت إلى المهجع زحفاً . وارتميت على الأرض أقرب
للغيبوبة مني إلى الصحو . غير أن وقت التفقد لم يلبث أن حل . وخرج
مساعدي يريد أن ينوب عني من جديد . لكنهم عادوا وسألوه عني . فلما
أخبرهم أنني مريض ضربوه هو الآخر وأمروه أن يناديني لأقدم الصف .
وهكذا مضت الأيام والليالي
على هذه الشاكلة أربعة أشهر أو ربما أكثر . حاول الإخوة خلالها أن يساعدونني
في مناوبة الليل . فكنت إذا دنت نوبة "فرخ راتب" قمت وحرست .
فإذا انتهى قام أحد غيري وسد مكاني . فإذا عادت نوبته أيقظوني لأقف من
جديد . لكن الخبيث أرسل في يوم من الأيام شرطياً آخر ليتأكد من سهري .
فلما وجد سجيناً غيري يقوم بالمهمة أخرجني وأخرج الحرس الليلي كلهم وجلدنا
جميعاً . فصرت أضطر للوقوف الليل كله من جديد . وعندما وجدتهم قد علقوا
على الأخ عماد أيضاً وكادوا أن يُجْمِلُونَه بالعذاب معي رأيتني أولى بذلك منه
لأنني أنا الذي شتمت الشرطي . فصرت أخرج أغلب الأحيان إلى التفقد وتقدم الصف
وتناول نصيبي المقدر من الضرب والتعذيب . حتى ساءت حالتي وأُنْهِكَ بدني وعدت
فانتكست بالسل بعد أن شفيت منه . فكان ذلك - سبحان الله - الضارة
النافعة . إذ لم يلبث المسؤول الصحي زاهي عبادي أن حضر للكشف على
المرضى ، فلما رأى حالتي تلك طلب نقلي إلى مهجع المسلولين . فتم ذلك في
شهر نيسان من عام 1990 وأنجاني الله من هذه المحنة وأنا على آخر نفس !
مزيد من المعلومات!
ومما هو جدير بالتسجيل عن عام
1990 هذا أن إدارة السجن أرسلت في شهر شباط تسأل في المهاجع عن آخر شخص جاءته
زيارة من أهله أو أقاربه ، فأخبر كل مهجع عن الشخص المقصود . وفي اليوم
التالي تم استدعاء هؤلاء جميعاً إلى الإدارة وعُرِضَ عليهم استئناف الزيارات وبعض
الميزات مقابل التعامل مع الإدارة بشكل واضح . وطلبوا منهم معلومات محددة عن
حال السجناء في كل مهجع ، وعن الأفكار التي يتداولونها ، والقناعات التي
لا زالوا يحملونها ، وهل ثمة من يدعو إلى الجهاد من بينهم ، وما مدى
استعدادهم للتعامل مع قياداتهم السابقة ، ورأي كل منهم في هذه
القيادات . ورغم أن الحدث كان مثيراً وقتها ، وعلى الرغم من بعض اللغط
الخافت الذي ساد حينذاك ، إلا أن محن السنين الخوالي جعلتنا نألف أي جديد
ونتقبل كل قضاء نازل بالصبر وبالإستسلام .
وفاة زاهي عبادي
عدت إلى مهجع السل 35 مرة
أخرى فابتعدت عن "فرخ راتب" ومكره وعن العذاب والقهر بعض الشيىء .
وبدأت أتلقى علاج السل المتاح من جديد . حتى إذا تحسنت حالتي واستعدت قواي
نقلت ثانية إلى مهجع 28 مع الأصحاء . ولم نلبث أن بلغنا على غير موعد نبأ
مفاجىء بوفاة الأخ الحبيب زاهي عبادي بعد كل هذه السنوات التي أمضاها في خدمة
إخوانه المسلولين والمعلولين صابراً محتسباً . وكانت الرواية التي بلغتنا أنه
أصيب بخراج مفاجىء في قدمه فأخذوه إلى مستشفى خارج تدمر فعاد ميتاً ! لكن ذلك
زاد الأمر غموضاً ، وجعلنا نرجح أنه قتل عمداً بعدما أمضى كل هاتيك السنوات
متنقلاً بين المهاجع واطلع على الكثير من حالات السجن والسجناء . ولم يكن أي
شيء في تلك الغابة مستغرباً .. ولم يكن أي حادث بشع أمراً مستبعداً بين قوم أسهل
ما اعتادوا عليه سفك الدماء !
شاهد على مجزرة تدمر
قلت أن بعضاً من المهاجع كانت
حينما وصلنا تدمر قبل أكثر من عشر سنوات لا تزال تحتفظ على جدرانها وأسقفها بآثار
من مجزرة تدمر الكبرى في حزيران عام 1980 . ولقد حدث فعلاً وأن سمعت كباقي
الناس عن المجزرة وأنا لا أزال في دمشق قبل اعتقالي ببضعة أشهر . ولقد تمكن
وقتها أحد الإخوة من بيت وطفة من دمشق من أن يحصل على قائمة بأسماء الضحايا من
ملفات وزارة الدفاع حيث كان يخدم جنديته الإلزامية ، وأوصلها للإخوة في قيادة
دمشق الناشئة وقتذاك . وتم كشف الأخ من بعد وإعدامه في سجن تدمر نفسه .
وكان العدد الرسمي كما أذكر في حدود الثمانمائة قتيل . لكنني طوال السنوات
التي أمضيتها في سجن تدمر لم أجد بنفسي شاهداً على المجزرة ، حتى جمعتني
الأقدار في تلك الفترة بسجين يميني من حماة توطدت علاقتي معه . فقص علي أنه
كان معتقلاً منذ عام 1980 مع مجموعة من البعثيين العراقيين . وأن إدارة السجن
فرزتهم منذ ذاك ووضعته في أحد مهاجع الباحة الرابعة بشكل منفصل عن سجناء الإخوان
أو الإتجاه الإسلامي .
وذات ليلة صدرت الأوامر إليهم
كلهم لينقلوا إلى مهجع 29 في الباحة السابعة بشكل مفاجىء . وصبيحة اليوم
التالي بلغت أسماعهم أصوات طائرات مروحية تحلق فوق المهاجع وتنزل في مكان
قريب . ولم تمض برهة حتى بدأوا يسمعون أصوات الرصاص وانفجارات القنابل وصيحات
التكبير في الباحات المجاورة . ثم لم تلبث الأصوات أن هدأت . وعادت
المروحيات فغادرت المكان . ولم يتمكن أي من السجناء الآخرين وقتها من معرفة ما
حدث . حتى تسربت أخبار المجزرة إليهم مع سجناء جدد حضروا بعدها وسمعوا بها من
خارج الأسوار قبل اعتقالهم . وظل هذا الشخص على قيد الحياة حتى قدر لي أن
ألقاه وأسمع شهادته . ورغم أنني لا أدري ما الذي حل بهذا الأخ ، إلا
أنني أتمنى أن أراه يوماً على منصة الشهادة يروي قصته أمام محكمة عادلة .
تعيد فتح ملفات الفظائع التي شهدتها جدران مهاجع تدمر وبقية أوكار المخابرات
وسجونها وأقبيتها ، وتطبق في كل الجناة حكم الحق . عل أرواح الأبرياء
التي أزهقت من غير ذنب تقر .. وترتفع عن هذا الوطن غباشة الطائفية المقيتة
والظلم والجبروت .
آخر الوافدين !
مضت الأمور في السجن بعمومها
نحو الهدوء النسبي . فالتعذيب الجماعي خفت حدته ، والضرب الوحشي قلت
نسبته . ثم لم نلبث أن وجدنا الإدارة تقوم بفرز جديد للسجناء في شهر نيسان
1991 تم بموجبها تقسيمنا وتوزيعنا على مهاجع جديدة وباحات مختلفة . ووجدتني
في هذا السياق أنقل هذه المرة إلى مهجع رقم 7 في الباحة الرابعة . وهناك
أمضيت قرابة سنة أخرى خفت فيها المعاناة نوعاً ما ، وبدأنا نلحظ خلالها
تحسناً نسبياً في الطعام ، كانت مادته الأساسية زيادة كمية الثوم !
ومن باحة مهجعنا السابع تلك
كان على لجنة الإعدامات التي لم تتوقف أعمالها أبداً أن تمر من أمامنا مضياً في
طريقها إلى الباحة السادسة لتنفذ الأحكام . وكنا نسمع أصواتهم ونتمكن أحياناً
من التلصص عليهم من شقوق الباب . وفي نفس الوقت كنا نحس وصول الدفعات الجديدة
من المعتقلين التي لم تتوقف أيضاً ونسمع أصوات استغاثاتهم وصياحهم من ساحة الذاتية
المجاورة والباحة الأولى القريبة منا . وفي شهر تشرين الثاني عام 1991 كانت
آخر دفعة جديدة من السجناء تصل تدمر على عهدي لتستقبلهم حفلة الإستقبال الرعيبة
ذاتها .. وتبلغنا أصوات استغاثاتهم وصيحات الألم تزلزل المكان ولا تحرك في
قلوب الزبانية شعرة ! وحتى لا تنتقل الأخبار ويطلع السجناء القدامى على
مستجدات الأحداث في الخارج كان يتم عزل السجناء الجدد في مهاجع مستقلة فلا نلتقيهم
ولا يلتقونا ، ولكن أصوات استغاثاتهم كانت أكثر من كافية لنعلم بوصولهم إلى
هذا المكان الرعيب .
نعم للقائد !!
وذات يوم من نهايات تشرين
الثاني أو بدايات كانون الأول عام 1991 . وبينما نحن في المهجع نجرع الأسى
ونغص بالحسرات أقبل علينا مساعد السجن محمد نعمة وأبلغنا أن انتخابات لرئيس الدولة
أوشكت أن تجري خلال أيام .. وأن علينا أن نظهر محبتنا وتقديرنا للقائد الأسد
فنقول له "نعم" بالفم الملآن والصوت العالي .
ولم يكن من خيار أمام أحد في
كل سورية إلا أن يقول تلك الـ"نعم" . تماماً كتلك التي قلناها
لسليمان الخطيب حين أبلغنا بأحكام الإعدام أمام محكمته الهزلية . أو كتلك
التي قالها الطبيب المسكين بعد حفل العذاب ليطلق زوجته . أو كالنعم التي كنا
نقولها للشرطي إذا قال لنا أنه يريد أن يفعل كذا وكذا بأمهاتنا وأخواتنا . أو
كآلاف وآلاف مثلها يقولها كل مواطن مقهور لا يملك لرد ظلم زبانية النظام وسفاهاتهم
عونآً ولا سنداً .
وكتب رئيس المهجع قائمة
بأسمائنا كلنا . ووقعنا وقلنا "نعم" . وكان الأنكى أن قام بعض
من هدته المحنة وأنهكته المعاناة فاقترح أن نكتب العبارة "نعم للقائد"
على واحد من قمصاننا البيضاء لا بالحبر أو بالدهان وإنما بدمنا ! وهرع البعض
فاستجابوا وأحضروا من مسؤول المهجع الصحي إبرة وجعلوا يسحبون من أوردتهم ما يكفي
من الدم ليكتبوا به على القميص !
بشارات !
وفي ليلة من ليالي شهر كانون
الأول من عام 1991 وجدتني أستغرق في النوم فأرى في المنام الشرطة العسكرية يدخلون
علينا في المهجع بملابسهم الكاكية وطاقياتهم الحمراء وسحناتهم البغيضة ويخبروننا
بقرار انتقالنا من هذا المكان . ورأيتني أمضي إلى زاوية من زوايا المهجع
اعتدنا أن نكدس فيها حقائبنا البالية فأحمل من بين الأكداس حقيبتي وتأتي مجموعة من
الشباب فيفعلون ما فعلت . ورأيت علي دوبا رئيس فرع المخابرات العسكرية يمضي
معنا أو نمضي معه فننطلق إلى باص كان بانتظارنا ونركب فيه جميعنا ونمضي . وبعد
أن غادر الباص سجن تدمر وقطعناه بمسافة بعيدة انتهى المنام . فلما استيقظت
وقصصت الرؤيا على الشباب حولي تفاءلوا وقالوا لي إن شاء الله يفرجها الله
عليك .
ولم يمض يومان فقط حتى وجدت
الشرطة ينادون اسمي بعد صلاة العصر وكان يوم أربعاء . فلما خرجت إليهم سألوني
عن اسمي الكامل واسم أبي وأمي فأجبتهم . فلم يزيدوا أن قالوا لي من غير أي
تعليق :
ضب أغراضك وجهز حالك
لبرة .
وكنا جميعاً متعودين أن
يأتينا مثل هذا الإيعاز في أي لحظة . سواء للإنتقال من مهجع إلى آخر أو
للخروج إلى الإعدام ! ووجدت الإخوة يلتفون حولي ويودعونني ولا يدري أحد منا
إلى أين المصير . وخرجت وقد وضعت الطماشة على عيني وعقدت يدي خلف ظهري
كالعادة ومضيت أتبعهم . فأدركت أنهم يقودونني باتجاه الساحة السادسة التي
تنفذ فيها أحكام الإعدام . فجعلت أتقلب بين هواجس اقتراب النهاية وأحاسيس
غامضة تبشرني من أعماقي بدنو الفرج . وجعلت أتساءل بيني وبين نفسي عن سبب
اقتيادي إلى الباحة السادسة إذا كان هناك إفراج . ولماذا لم يأخذونني إلى
الذاتية في الباحة الأولى لأخرج من حيث دخلت قبل عشرة أعوام أو أكثر !
ولم تطل بي التساؤلات التي
قطعها توقف الركب وصوت باب يفتح ونداء واحد من الشرطة يقول لي :
أدخل ولا .
وأغلق الباب ورائي ..
وأحسست أن الشرطة تركوني وذهبوا .. وأن ثمة من يشاركني هذا المكان الجديد
ويهمهم حولي . وبحذر شديد أرسلت يدي من وراء ظهري إلى وسطي . فلما تأكدت
أن أحداً لم ينتهرني أو يصرخ في رفعتهما إلى وجهي وفككت الطماشة عن عيني .
فوجدتني محاطاً بعدد من السجناء يتطلعون في وأتطلع فيهم .
خير يا شباب شو في ؟
سألتهم متوجساً
ومستغرباً .. فقالوا ببشاشة وبشر :
ان شاء الله خير . هناك
إخلاء سبيل .
ماذا ؟
قلتها وأنا لا أكاد أصدق أو
أستوعب ما قالوا . فكرروا علي وأكدوا لي . ولم يلبث أن أطل علينا من فوق
الشراقة أحد الشرطة وقال لنا من غير أن نعرف السبب الشيء نفسه . ولم تمض نصف
ساعة أخرى حتى فتح الباب من جديد فهرعنا من فورنا حسب العادة واتجهنا برؤوسنا إلى
الجدار . وتقدم واحد ممن سبقوني فقدم الصف . وأحسسنا بدخول أشخاص عديدين
وراءنا ، فتوجست خيفة وأنا أتوقع كل شر ولا أستغربه . وأتانا الإيعاز
مرة واحدة :
وراء در .
فاستدرنا وعيوننا لا تزال
مغمضة حسب التعليمات . لكن الإيعاز أتانا مرة أخرى يقول :
ارفع راسك ولا وفتح
عينيك .
مفاجآت !
فتحت عيني يكاد يشلهما الخوف
فراعني أن أنظر فأرى لأول مرة طوال تلك السنوات سحنة جلادينا بوجوه آدمية من لحم
ودم . ولم يكن مألوفاً لي ولا لأحد ممن معي أبداً أن نبصر شخصاً في هذا
المكان معافى في بدنه متأنقاً في ملبسه ، نبت الشعر في رأسه وشاربيه بشكل
طبيعي وطال من غير أن تجرده آلة الحلاقة أو تشوهه الصفعات واللطمات !
وأمعنا النظر ونحن كالطفل
الذي يطلع على العالم من حوله لأول مرة فرأينا مساعد السجن محمد نعمة ورئيس السجن
نفسه غازي الجهني يقفان في مواجهتنا ومن ورائهما وعن أيمانهما وشمائلهما الزبانية
يترصدوننا بنظراتهم الماكرة . وبعبارات مقتضبة أخبرنا العقيد الجهني أن سيادة
رئيس الدولة أصدر عفواً عنكم .. وإن هي إلا أيام وتكونوا بين أهليكم .
وأمرنا من ثم أن نخلع ملابسنا جميعاً ونبقى بالشورت فقط . والتفت إلى كومة من
الملابس والأحذية العسكرية الجديدة فأمر الشرطة أن يوزعوها علينا ثم مضى ومعه
المساعد والشرطة وأغلقوا علينا الباب .
عقدت المفاجأة ألسنتنا جميعاً
وأصابتنا بالربكة إلى حين . حتى إذا هدأت النفوس واستقرت اتجهنا إلى بعضنا
البعض نتساءل ونتداول ونحاول أن نجد تفسيراً لما يجري فلم نفلح . وأخذت أتملى
في رفاق هذا المهجع الجديد فوجدتهم قرابة الخمسة والثلاثين شخصاً عركتهم المحنة
وناءت بكلكلها عليهم مثلما فعلت بي ، فلم تترك فيهم إلا سحناً مصفرة وعيوناً
ذابلة وأجساداً واهنة ..
وانقضى يوم الأربعاء ونحن في
هذا المهجع الذي يسمى مهجع 6 على 2 الجديد نتجاذب أطراف الحديث ونتعرف على بعضنا
البعض . وجاء الخميس وانقضى كما جاء ونحن نقطع الوقت بتبادل أخبار المهاجع
وروايات العذاب والأسى . وكذلك حدث في اليوم التالي ونحن نقترب من الشك ونكاد
ننتكس من التفاؤل إلى التشاؤم من جديد . حتى إذا كان صباح السبت وجدناهم
ينادوننا للخروج من المهجع والإنتظام في صف في الخارج أمامه . فخرجنا كذلك
مغمضي العيون منكسي الرؤوس يلتصق واحدنا بأخيه خشية أن يتعثر . لكن الإيعاز
جاءنا كذلك بأن نفتح عيوننا ونتطلع بشكل طبيعي . فلما فعلت وفتحت عيني هالني
أن أنظر إلى هذا المكان الرعيب الذي ضمتني جدرانه وحملتني أرضه وأكلت عصي زبانيته
وسياطهم من جسدي ما شاء الله أكثر من عشر سنوات فكأنني أراه الآن لأول مرة !
كان كل جدار أقابله كطود جاثم
على صدري عشر سنوات من غير أن أراه . وكل باب غليظ مشبك بالحديد كشوكة في
حلقي أبصرها الآن لأول مرة . وهذه الوجوه الكالحة وتلك القسمات الطاغية وهذه
المهاجع المقفلة كالتوابيت كم مرة لطمتني أو عركتني أو حملتني وأنا رهين المحبسين
ترهقني ذلة الأسر ورهبة الظلام وقد أطبقت أجفاني على نوافذ الضياء بالإكراه فلا
أرى خارج المهجع إلا الظلام وحسب !
بوابة المغادرين !
وسار ركبنا نحن الذين صدر
العفو عنا كخط النمل يتجه نحو الباحة الخامسة وأنا أتوقع أن نمضي الآن إلى الذاتية
لنتسلم أماناتنا ونسجل أسماءنا ونخرج من الباب الذي دخلنا منه . لكني وجدت
الركب ينعرج بنا باتجاه المطابخ نحو باب خلفي للسجن اعتادت سيارات الجيش أن تدخل
الطعام والمشانق منه وتخرج عائدة بالقدور الفارغة وجثث الموتى والمعدومين بنفس
الوتيرة ونفس البرود ! وعلى مقربة من الباب وجدنا باص تويوتا أحمر اللون
بانتظارنا فصعدنا إليه لا ننبس ببنت شفة . ورافقنا في باصنا الذي توزعنا على
مقاعده واجمين ثلاثة عناصر من المخابرات العسكرية لم يكن يبدو عليهم الإكتراث
بأمرنا . وكنت عندما أتملى فيهم أحس أنهم ربما لم يدروا أين أمضينا آخر عشر
سنوات من أعمارنا أو حتى أنهم كانوا عندما دخلنا زنزانات الفرع الذي أتوا منه قبل
اثنتي عشرة سنة خلت مجرد طلاب في المرحلة الإعدادية أو الثانوية على أبعد
تقدير !
دمعة شكر
ومضى الباص بنا يزمجر على هذا
الخط الضيق يسرع ساعة ويبطؤ أخرى . ونحن فيه كأننا الأطفال في أرحام أمهاتهم
نشاهد العالم في الخارج من غير أن ندرك علاقتنا به أو مصيرنا فيه . والمشاهد
من حولنا تتسارع وتتغير وتتبدل . والوجوه والبيوت والبهائم والسيارات والغيوم
والسماوات كلها كالكلمات الغريبة في قاموس لغة نسيناها منذ أكثر من عقد خلى !
وارتددت إلى نفسي لحظة فجعلت
أتذكر المنام الذي شاهدته قبل بضعة أيام وحسب . وجعلت أقارن الباص الذي ركبته
في المنام وهذا الباص الذي يقلنا الآن . والجمع الذين هرعوا في الرؤيا
لمرافقتي وجمع الإخوة الذين معي . ورئيس المخابرات العسكرية هناك وجنده
هنا . ووجدتني من غير إرادة مني أتبسم وقد نسيت كيف تفتر الشفاه عن ابتسامة
سعد . وأتجه بجوارحي كلها إلى الله العلي الرحيم أود أن أسجد له كل عمري
شاكراً . فلم تجبني من كل هاتيك الجوارح المأخوذة بتسارع الأحداث وقتها إلا
دمعة حرى طفرت من عيني على وجل .
وأسرع السائق
بالحافلة .. وأسرعت بنا الخواطر والخيالات والتساؤلات والأماني والمخاوف كلها
تتراكض فينا معاً . وعبرنا تدمر المدينة من غير أن نلفت فيها نظر أحد .
وتخطينا حمص مرقد خالد بن الوليد تغشاها كآبة ووحشة .. وأشرفنا على دمشق
عاصمة الأمويين والمجد والفتوحات بالأمس .. ومهد المظالم والقهر ووكر الطائفية
اليوم . وأكمل الباص بنا إلى فرع المخابرات العسكرية من جديد . وتسلمنا
الزبانية كالعادة تغيرت وجوههم وأسماؤهم ولم يتغير من عدوانيتهم شيء . وبعد
أن أخذوا أسماءنا وتسلموا أماناتنا أدخلونا على واحد من المهاجع تحت الأرض لنقضي
ليلتنا هناك .
صفحة جديدة !
وفي اليوم التالي الثامن
والعشرين من كانون الأول جمعونا كلنا في قاعة محاضرات واسعة ووزعونا على كراسيها
الوثيرة . واعتلى مجموعة من الضباط المدنيين المنصة . وتقدم أحدهم منا
فألقى فينا كلمة مقتضبة استهلها بالثناء على الرئيس القائد الذي يعرف الناس كل الناس
أن الكرم من سماته .. وأنه ينظر إلى الشعب بعين الرأفة والعطف على
الدوام .. ولذلك أصدر أمراً بالإفراج عنا بمناسبة إعادة انتخابه ! وقال
لنا المتحدث أن بعضنا ربما لم يكن يستحق كل هذا الإعتقال الطويل .. وأن بعضنا
الآخر نال الآن جزاءه . ودعانا أن ننسى كلنا الماضي ونبدأ صفحة جديدة من
اليوم . فيذهب الطالب إلى مدرسته . والعامل إلى مصنعه . والموظف
إلى وظيفته . ويعود الكل إلى حياتهم الطبيعية وينسوا الماضي . وختم
المتحدث كلمته منوهاً أن الفرع سيوصل كلاً منا إلى محافظته ومدينته .
وانفض الإجتماع .. وجعل
رجال المخابرات يقتادون كل مجموعة من المعتقلين إلى زاوية حسب محافظاتهم .
ولما كنت الأردني الوحيد فقد اقتادوني مع أربعة عناصر منهم إلى سيارة اتجهت بنا
إلى الحدود السورية الأردنية مباشرة . وعندما وصلنا مدينة درعا بعد منتصف
الليل سلموني للشرطة المدنية هناك . وتقدم هؤلاء فسلموني بدورهم إلى
المخابرات الأردنية على الطرف الآخر من الحدود ، ولم يزيدوا عن أن قالوا لهم
أنني كنت موقوفاً لديهم . فلما استلمني الأردنيون وسألوني عن جوازي أو وثيقة
تثبت شخصيتي لم أجد شيئاً أقدمه لهم . فعاد واحدهم وسألني منذ متى تم
توقيفي . سألته : ما اليوم ؟ قال : 29 كانون الأول
1991 . قلت أرد على سؤاله : منذ أكثر من إحدى عشرة سنة إذاً . منذ
الثامن من تشرين الأول عام 1980 . فكاد الرجل يصعق من المفاجأة . وعندما
وصلت والدتي ووالدي وأختي بعد ساعات لاستلامي لم تكن مفاجأتهم أقل منه وهم يرون ولدهم
الذي غادرهم ابن تسع عشرة سنة عاد إليهم اليوم ابن إحدى وثلاثين . ناحل
الوجه ، حليق الرأس ، منهك القوى ، يرتدي ملابس العسكريين الكاكي
وحذاء الجيش . ووجدتني أمام أهلي الذين غادرتهم أصحاء أشداء أنهكتهم بدورهم
السنون وهدتهم اللوعة .
وهرعت إلى يدي والدي رحمه
الله أقبلهما وإلى أمي أحضنها وأطلب منهما السماح . وجعلت والدتي تنظر في
وجهي تتفرس فيه وتقول لي : أنت محمد ؟ أكيد أنت محمد ! وتناولت يدي
تقلبها وتُبَحِر فيها ولا تكاد تصدق ! وتناولت أنا يديها ألثمهما وأطلب منها
مجدداً الرضا والسماح . وتدفقت عبراتنا جميعاً وخنقنا النشيج . واحدودب
بعضنا على بعض وكأننا نتقي جورة الزمان وتربص المتربصين .
وأقفلت بنا السيارة تعود بي
إلى بيت أهلي الغوالي بعد غيبة عقد ونيف من الزمان .. وكرت الأسئلة وتدفقت
الحكايات .. وانفجرت الأحزان والآلام والحسرات حبيسة دهر من الزمان .
دهر كل لحظة فيه كانت أثقل من الدهر كله .. وكل زفرة أو شهقة من أيامه لها
حكاية تحكى .. ولوعة تفري الكبد .. وذكريات وشجى . لا توفي وصفها
قواميس الأرض .. ولا تسبر أغوارها من الكلمات شيء .. ولا يمسح حرها إلا
الرحمن الرحيم .
وبعد ..
فها هي ذي صفحات من ذكريات
المحنة التي قدر لي أن أعيشها في سجون النظام السوري قد باتت جاهزة للتو تنتظر
دورة المطبعة تأخذ مجراها . وإني إذ أحمد الله تعالى الذي يسر لي إخراج هذه
الذكريات على شكل كتاب .. وأشكره من قبل ومن بعد أن نجاني وفرّج عني ومنّ
بالحرية علي .. أود أن أسجل بعض نقاط أراها جديرة أن أختتم بها كتابي
هذا ، سائلاً الله تعالى النفع والقبول .
1 - مرت
عدة سنوات على خروجي من سجن تدمر مررت فيها بظروف عديدة متغيرة ، مما جعلني
أنسى الكثير مما شاهدت ورأيت وسمعت في تلك المحنة الرهيبة . ولقد حاولت فيما
كتبت أن أتحرى الدقة قدر المستطاع ، وأن أوثق المعلومات التي سجلتها ما وسعني
الجهد . لكني أعلم أن الكمال لله وحده ، وأن كل بني آدم خطاء .
وللزمن حكمه كما يقولون . ولذلك أرجو أن يسامحني القارىء الكريم إن وجد أي
نقص أو عجز أو خطأ فيما قرأ ، وليصحح لي كل من ملك معلومة مكملة أو إضافة
مفصلة .
2 - وفي
هذا السياق ومن هذا المنطلق ، أدعو كل أخ مسه من فيح تلك المحنة جانب أو ناله
من لظاها أذى ، وأدعو كل مواطن شهد على ممارسات النظام السوري القمعية مشهداً
أو عرف خبراً أن يبادر ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته . ولو لم يكن لدى
المرء فرصة للنشر اليوم أو كانت ظروفه لا تسمح الآن فغداً ستختلف الموازين وتتغير
الأحوال إن شاء الله . لكن الأمانة تظل في أعناقنا والشهادة حق لا يقبل أن
نكتمه . والذاكرة لن تدوم فيها المعلومات والذكريات كما هي اليوم .
والعمر بيد الله لا ندري متى ينقضي . وإذا كان جيلنا قد عاصر جانباً من الأحداث
واطلع على بعض أوجه النظام الديكتاتوري الطائفي في سورية ، فإن أجيالاً تالية
وشعوباً أخرى تحتاج أن تعرف الحقيقة وتدرس ما حدث . ولا بد لكل من أراد أن
يخطو على طريق الدعوة إلى الله أن يرصد تجارب سابقيه وخبرة المتقدمين عليه .
أما أن تتكرر التجارب متماثلة متشابهة لا تستزيد واحدتها من أخراها ولا يتعلم
لاحقها من سابقها فتلك علة معلة وجمود مهلك . وسبب كاف لتكرار النوازل
والمآسي والنكبات .
3 - وحتى
لا تتكرر النكبات وحتى تكتمل الفائدة من تسطير هذا الكتاب أراني واجباً علي أن
أسجل خلاصة ما وصلنا إليه من قناعات ورؤى بعد سنوات محنتنا تلك . وإنني إذ
أتحدث بضمير الجماعة هنا فإنما أقصد الغالبية من إخوة المحنة الذين جمعتني وإياهم
على مدار سنوات متتالية القيود المطبقة والأبواب المغلقة .. وجلسات المصارحة
والنقد الموضوعي والتقييم البناء . فوصلنا من بعد جدال وأخذ ورد إلى أن
الإسلام الذي اعتنقناه واعتقدناه وحملناه في قلوبنا وامتحنا في سبيله
وابتلينا .. هذا الإسلام لا زال من بعد كل هذه المحنة والعذاب والمشانق
والمجازر هو الحق لم يتغير ، وهو الهدف لم يتبدل ، وهو الطريق لم نحد
بإذن الله عنه . ولا زلنا حقيقة على قناعة خالصة بوجوب العمل لدين الله ونشر
دعوته ، وحتمية تبليغ رسالته الخالدة لأنها الأمل الوحيد لنجاة البشرية
جمعاء .
4 - أما
الذي توقفنا عنده وانكببنا على النظر إليه فهو الكيفية والوسيلة التي يمكن أن نحقق
بها ما اعتقدناه . فمن خلال محنتنا وكربتنا .. وبعد الثمن الباهظ الذي
دفعناه دماً وأرواحاً وزهرات من شباب الدعوة ورصيد من النجاح انهار وانقضى ..
تبين لنا وتأكد وتحقق أن أول ما نحتاجه قبل أن نخطو أي خطوة تالية هو الصف المنظم
الموحد . فوالله لم يؤت إخواننا المجاهدون في سورية - ولا في غيرها - من قلة
مال أو سلاح أو عتاد ، ولم يهزمهم استبداد عدوهم أو قوة تسليحه أو شدة
بطشه . ولكن التجربة أثبتت وأكدت أن الشر أتي من التنازع والإختلاف ،
والبنيان تهدم من الفرقة قبل كل شيء .
5 - أما
القضية التالية التي وجدنا البدء من غيرها معناه التهلكة ، والمسير من غير أن
تترسخ فينا نذير الضياع فهي التربية . ولقد كان أمراً عجباً أن تنفق كل
الحركات الإسلامية جل جهدها وأكثر وقتها في الحديث عن التربية وتطبيقاتها ،
ثم إذا فاجأتنا المحنة وجدنا أنفسنا أبعد ما نكون عن التربية الحقيقية وأكثر من
يفتقدها !
وعندما أذكر التربية هنا
فأنما أعني كل ما يندرج تحت هذا المسمى من أبواب : التربية الروحية ..
والسلوكية .. والبدنية .. والعسكرية .. والتنظيمية ..
والأمنية . وحتمية أن تجتمع كل هذه الأبواب في بناء شخصية الداعية .
وإلا فما معنى أن يحضر شخص واحد باعترافاته مائة أخ من تنظيم سري ناشىء ؟
وكيف يفسر أن يضطلع فرد في هذا التنظيم بمسؤوليات تمكنه من معرفة كل الصف القيادي
في التنظيم وعناصره الفاعلة وأسراره الخطيرة ومخابىء سلاحه ومواقع قواعده ورموز
اتصالاته وكل صغيرة وكبيرة فيه !!
6 - ان
قناعتنا بعد كل هذه المحنة في وجوب مقاومة الظلم لم تتغير بفضل الله ولن
تتغير . والعمل للإسلام لما يزل كيوم دخلنا المحنة واجباً حتمياً وأمانة
ملزمة ، لكنا إذا أردنا أن نحمل هذه الأمانة فلنحملها بوعي كامل وكفاءة
كافية .. أو نتنحى لمن هو أقدر وأكفأ .
إنني ومن بعد التجربة أؤمن
اليوم أننا إذا تخلينا فسيهيؤ الله تعالى من هو أقدر وأكفأ وأجدر على حمل
الأمانة . أما إذا صممنا على تقدم الصفوف من غير إعداد كاف وكفاءة وحنكة فقد
جنينا على أنفسنا وتجنينا على دين الله ودعوته . وهيهات هيهات أن ينصر قوم
هذا حالهم وذاك الطريق الذي اختاروه .
هذه بعض ملاحظات أردت أن
أختتم بها ذكريات المحنة وشهادة التجربة . سائلاً الله تعالى الرحمة والمغفرة
وحسن الخواتيم . والحمد لله رب العالمين .
محمد سليم حماد
آب/1996