Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

السل

كانت أبدان السجناء قد أنهكت إلى أبعد الحدود بعد سنين من العذاب المستمر والجوع والحرمان والعيش في أسوأ الظروف الصحية والنفسية . وعلى الرغم من هذا الإنفراج الظاهر الذي حدث إلا أن الوقت كان قد فات . وبدأ عدد الضحايا يرتفع من جديد .. وتزايدت حالات الوفاة المرضية والإصابات المزمنة ، حتى مات من مهجعنا وحده قرابة الأربعة عشر أخاً لم ندر إلا بعد أن قضوا رحمهم الله أن الذي أصابهم حقيقة الأمر كان مرض السل . وعندما تطورت معرفتنا بهذا المرض الخبيث ووجدنا من يفقهنا في أعراضه وأشكاله علمنا أنه لا يصيب الرئة وحسب ، وإنما هناك سل يصيب الأمعاء وسل بالكلى وثالث بالعظام ورابع وخامس . ولم يكن في مهجعنا حتى تلك الفترة الطبيب المتخصص الذي يقدر على تشخيص الداء ، مثلما لم يكن لدينا العلاج المطلوب حتى إذا علمنا به واكتشفناه .

وواقع الأمر فإن مرض السل تم اكتشافه منذ عام 1982 في المهجع 5-6 بالباحة الأولى . وهو واحد من أقدم مهاجع سجن تدمر . كبير المساحة مظلم الجنبات شديد الرطوبة . ولقد قدر أن يكون أحد نزلائه الطبيب محمود العابد من حماة ، الذي كان أحد أطباء قسم الأمراض الصدرية في إحدى مستشفيات حلب . لكن الإخوة وقتها ومن خوفهم من بطش الشرطة وإحساسهم بانعدام التجاوب أو الإهتمام لم يبلّغوا عن المرض . فلما لاحظت إدارة السجن ازدياد الوفيات وتوافق ذلك مع حالة الإنفراج العامة تلك فتحوا للمسلولين مهجعاً خاصاً في الباحة الرابعة هو المهجع 23 .

ونعود إلى مهجعنا 26 الذي بات الآن في عهد ولاية أبي عوض القسرية عليه أحد مهاجع السجن الخاصة إن لم يكن أخصها جميعاً . وأما السبب فكان - كما ذكرت - اتفاق إدارة السجن مع أبي عوض على تحويل السجناء الموسرين وأصحاب الزيارات والواسطات إلى مهجعنا ليكونوا تحت عينه ورقابته الدائمة .. وتكون الزيارات والنقود التي يرسلها أهاليهم المساكين أدنى إلى جيب أبي عوض وأسياده من جيوب أصحابها أنفسهم !

وفي هذا السياق وضمن عمليات النقل والتحويل جاء إلى مهجعنا مجموعة من الإخوة الدمشقيين أذكر منهم محمد الحوراني ، وسليم الأسد ، وعدنان المؤيد ، وأخ من بيت دبش وغيرهم . وكان سليم الأسد طبيباً من دمشق نقل من مهجع 5-6 بعد أن تعلم من الدكتور محمود العابد هناك فحص المسلولين وتشخيص إصابتهم . ونقل لنا وقتها نبأ اكتشاف إصابات سلية بين السجناء . وأخبرنا عن تخصيص مهجع 23 للمسلولين ، وأن أخاً آخر هو زاهي عبادي من دير الزور والذي كان في سنته الرابعة بكلية الطب تطوع للذهاب إلى نفس المهجع والإشراف على إخوانه المسلولين ، ثم لم يلبث رحمه الله أن أصيب نفسه بالمرض عن طريق العدوى .

وفي يوم من الأيام كنا في التنفس أنا والأخ صبحي بركات أحد أفراد مجموعتي ففوجئت به يستند إلى ذراعي بادي الإجهاد ، وقال لي وهو لا يقوى على إخراج الكلمات أنه يحس بالغثيان وبالدوار ولا يقوى على الحركة . فطلبنا له من الرقيب إذناً بدخول المهجع . وهناك لم يلبث الأخ صبحي أن تقيأ وسقط محلول القوى . وعندما عدنا من التنفس فحصه الأخ سليم فتبين له أنه السل . وعندما حضر الشرطة وأخبرناهم أسرعوا ونقلوه إلى المهجع 35 في الباحة السابعة والذي خصص بدوره في تلك الفترة للمسلولين بعدما ضاق بهم مهجع 23 .

ومر شهر آخر وإذ بي أجدني أعاني من الأعراض نفسها : ارتفاع في الحرارة ، وقلة شهية للطعام .. وسعال وتعرق وإجهاد متزايد . وبعد أسبوع من المعاناة فحصني الأخ الطبيب سليم أسد فوجدني أصبت بالسل أيضاً . وعندما أخبر إدارة السجن بذلك نقلوني بدوري إلى مهجع السل ، وكان ذلك في الشهر السادس من عام 1983 وبعد أيام قليلة من محاضرة فيصل الغانم العامة أمام السجناء .

 

جرعة العذاب !

دخلت المهجع 35 في الباحة السابعة فوجدت ويا لهول ما وجدت ! أكثر من مائة من الإخوة ألقى المرض بكلكله عليهم فسلبهم نضارة الحياة وسمت العافية . فهذا لا يكف عن السعال وفي يده علبة صفيح صدئة يبصق فيها البلغم والدم . وذاك يتقيأ بين فينة وأخرى ولا يستطيع أن يمسك نفسه . وثالث أصاب السل كليتيه فانتفخ جوفه وكأنه امرأة حامل ! ووجدت المصاب بسل الخصيتين ، وسل العظام ، وسل السحايا ، وسل الرئتين .. وكان على كل أولئك وعلي أن نستخدم الحمام نفسه وأن ننام متجاورين نتبادل العدوى ونتلقاها شئنا أو أبينا .

ولقد كنت أظن أو أؤمل أن تكون ظروف مهجع المسلولين أفضل من غيرها ، لكنني وجدت الأمور كأنها لم تتغير . فالبطانيتان اليتيمتان والعازل على حالهم .. والشراقة والنوافذ المفتوحة كتلك التي في بقية المهاجع . والحرس على الباب وفوق المهجع يروحون ويغدون . وهناك برنامج غير منقوص من التفقد إلى التنفس إلى سوء الطعام ورداءة الظروف . وعندما نكون في الساحة أو يرى الشرطة منا ما لا يسرهم كنا ننال من الضرب والجلد والعذاب ما لم يختلف عن ذاك الذي يناله الإخوة الأصحاء في مهاجع أخرى . ولعل ميزة المهجع الوحيدة كانت في نزلائه المسلولين جميعاً .. وفي جرعة الدواء التي خصونا بها وحسب ! وحتى جرعة الدواء تلك كانت أداة تعذيب وابتزاز لنا .. فلا يكاد ينقضي شهر على توفرها حتى تنقطع وتغيب أسبوعين أو عشرة أيام . فإذا عادت جعلنا نتخوف انقطاعها ونترقب وصولها فنزداد قلقاً على قلق وعذاباً على عذاب .

وهكذا ، ومع اضطراب تعاطي الدواء واستمرار سوء التغذية وقساوة الظروف استمر الإخوة يتساقطون موتى واحداً بعد الآخر حتى عددت أكثر من عشرين أخاً ماتوا من مهجعنا نحن فقط . ومن هؤلاء أذكر الآن أخاً من حمص اسمه عبد الرحمن فليطاني ، وآخر اسمه عبد الساتر مصطفى من نفس المدينة . ومصطفى المصطفى من قرية منخ قرب مدينة حلب . وآخر اسمه الأول مصطفى من حلب أيضاً .

نوبة قلبية

ومن شهداء مهجع السل أيضاً تحضرني قصة الأخ محمد حسن عجعوج من حماة الذي كان من جماعة الشيخ مروان حديد الأوائل. والذي قامت المخابرات السورية باعتقاله من لبنان بعيد اعتقال الشيخ مروان ، وأودع سجن المزة مع بقية من اعتقل وقتها . ومع تطور الأحداث وتصاعد موجات الإعتقال في بداية الثمانينات نقل الأخ حسن إلى سجن تدمر بعد المجزرة الكبرى التي حدثت هناك . وتنقل من مهجع 9 إلى مهجع 11 لألتقيه وقد أصابه السل آخر الأمر في مهجع 35 .

وهناك وفي يوم من الأيام وصل محمد حسن عجعوج نبأ استشهاد أسرته جميعاً أثناء أحداث حماة قبل أقل من عام . وسمع بأن واحداً من اخوته سُحِلَ في شوارع المدينة سحلاً . فلم يتمالك رحمه الله وأصيب بنوبة قلبية قضت عليه .

وصار أمراً اعتيادياً بيننا أن ننادي الشرطي صباح كل بضعة أيام ونخبره بوفاة أحد المرضى ، ثم نلتفت إلى برنامجنا ذاته نكاد لا نحس تجاه الأخ الفقيد بالحسرة قدرإحساسنا بالغبطة أن قبضه الله إليه فاستراح من هذا العذاب

هستيريا

ومن مشاهد مهجع السل التي لا تنسى مشهد الأخ بسام الحافظ من حمص الذي فقد القدرة آخر الأمر على تحمل كل هذه العذابات والضغوطات النفسية وما عاد يقدر على تلقي المزيد . فوجدناه في ليلة من الليالي ينهض وسطنا وقد احمرت عيناه فكأنما هما من دم أو نار وراح يطلق عقيرته بالصراخ والعويل . وكان الإخوة كلما حاولوا تهدأته ازداد انفعالاً وتأزماً .

ودخل الشرطي المناوب يستطلع الأمر ، وأمر المسؤول الصحي الأخ زاهي عبادي أن يسكته بالقوة . فلم يجد الأخ إلا أن يعطيه إبرة مسكنة هدأته بالتدريج . وفي الصباح نادى الشرطي المسؤول الصحي ليخرج هذا الأخ إليه . فلما خرج المسكين انهال الشرطة عليه ضرباً وجلداً وأعادوه يكاد يسلم الروح . لكنه وعندما حل المساء عاد وانتفض وكرر ما حدث ليلة الأمس . فعاد الأخ زاهي وأعطاه إبرة ثانية مهدئة . وعندما أتى الشرطي من جديد رجاه أن هذا السجين مصاب بالهستيريا ولا يملك من أمره شيئاً . ووعده أن يبذل أقصى جهده لتهدأته وعلاجه . بعدها طلب زاهي منا أن نكف عن محادثة الأخ بسام . ونصبوا له في زاوية من زوايا المهجع ما يشبه الخيمة وأجلسوه فيها . وظل المسكين قرابة الشهرين معزولاً عنا لا يكلمنا ولا نكلمه بشيء .. أخذ خلالها يتحسن بالتدريج . ثم جرى نقله بعدها إلى مهجع آخر ولم نعد ندري ما الذي انتهت به الحال إليه .

ألفية ابن مالك !

ومضت مسيرة العذاب .. تنهش المحنة من أجسادنا المنهكة وتقتات واحداً منا بعد الآخر ولا تشبع . ولم يكن أمامنا من باب نلتجىء إليه غير المولى تبارك وتعالى .. نتقوى به على محنتنا ونتعالى بالإلتجاء إليه على كل الجراح والعذابات .

ولقد كانت النفوس تضعف حيناً ، وتتقوى من ثم أحياناً أخر . لكن نفسياتنا تفوقت على أجسادنا ولله الحمد . وتمكنت من الثبات أغلب الأحيان حتى ولو انهارت الأبدان وتهتكت الأجساد . فكنا كلما خبت الهمم أو انتكأت الجراح نشد من عزم بعضنا البعض بالدعاء والصلاة والتبتل إلى الله سبحانه وتعالى . ندعوه مع كل فتحة باب ، ونشكره كلما أغلقوا علينا الباب نفسه وبقينا سالمين ! وبعدها وإذا أحسسنا ببعض الأمان عدنا إلى برامجنا التي باتت غذاء أرواحنا ورواء قلوبنا .. درّتها كتاب الله الكريم . حتى إذا أتقن واحدنا حفظه التفت إلى من حوله من إخوانه فتعلم منه ما لديه من علم مفيد . فقه كان أو تجويد أو لغة عربية أو متون . فإذا أنهاها مضى يلتمس تعلم اللغة الإنجليزية أو الفيزياء أو الكيمياء .. وكل ذلك عن طريق المشافهة .

وأما أنا وبعد أن أتقنت حفظ القرآن الكريم كله بفضل الله عكفت على دراسة المتون ، وكان شيخي في ذلك أخ من حلب جزاه الله خيراً كان متقناً لحفظ المتون . فأخذت عنه البيقونية والجزرية والرحبية .. ومن ألفية ابن مالك حفظت حوالي 650 بيتاً ولله الحمد . وظهرت في هذا السياق مواهب وعجائب .. فكان بعض الإخوة يحفظون سيرة ابن هشام ويدرسونها لإخوانهم الآخرين . فلما اتقنها جمع منهم حولوها إلى منظومة أيضاً بالغة الإتقان 

التدمري الشهيد

ومن المواهب الفذة التي ظهرت بين السجناء أخ شاعر نظم مجموعة من القصائد الرائعة كنا نتناقلها بين المهاجع ونحفظها عن ظهر غيب . ولقد بلغنا أن الأخ حكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في كل المجموعة التي حوكمت معه ولم يصل الدور إليه .. ففجر ذلك كما يبدو موهبته الكامنة ، وجعله ينطق بمعاناتنا جميعاً من خلال قصائده الرائعة . ومما لا أنساه من تلك القصائد واحدة أهداها إلى إخوانه في مهجع السل يقول فيها :

سيشرق وجهك خلف الظلام

وصدرك ينزف خلف الحديد

وما كاد يثنيك حقد اللئام

فيا أيها التدمريالشهيد

عليك السلام عليك السلام

 .  .  .

أخي إنا بعد الأذى والهوان

سنعلو على الخلق إنساً وجان

لنا الصدر أو منزل في الجنان

وبعد الأعاصير والزلزلة

كأن فؤادي غدا قنبلة !

 

  راحل عنك ..

كذلك فجرت المحنة موهبة شعرية أخرى في أخ من حلب كتب قصيدة يناجي فيها والدته من خلف القضبان . فتلقاها أخ آخر من مهجعنا برزت موهبته الفذة في تلحين القصائد وإنشادها . فصارت القصيدة لحناً يتنقل على شفاه السجناء من مهجع إلى آخر ومن قيد إلى قيد .. فتشتد بها العزائم وتعلو بكلماتها النفوس :

عندما جاءت يفيض الود منها والحنين

تطرق الباب وفي دقاتها لحن حزين

أتراها تطلب الوصل وترجو أن ألين

أم تراها ظنت القيد يهز الصامدين ؟

 .  .  .

قلت والثورة في نفسي أعاصير تجول

حسبي الله ربي ونعم الوكيل

وحملت الزاد والرشاش وقررت الرحيل

وعلى الباب بقايا من عبارات تقول

 .  .  .

راحل عنك أقاسي من جراحي وأسافر

لا أبالي بالمنايا وعلى الطغيان ثائر

أتحدى ظلمة الليل وأحيا لأقاتل

علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل

أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل

 .  .  .

راحل عنك أغني للسواقي والبيادر

أملؤ البيداء نوراً ونشيداً وبشائر

ورصاصي للطواغيت إلى النار تذاكر

في سبيل الله ماض تابعاً نهج الأوئل

علمتني صحبة القيد وأنغام السلاسل

أن دين الله لا ينهض إلا بالقنابل .

أنا بعثي !

ولقد كان من ميزات مهجع السل أيضاً اختلاط انتماءات نزلائه وتعدد الإتجاهات التنظيمية والسياسية فيه . فبعد أن كان سجناء مهجع 26 من تنظيمات إسلامية أو من المحسوبين عليهم جميعاً وجدنا أنفسنا في مهجع السل 35 متجاورين مع سجناء من تنظيمات يمينية موالية للبعث العراقي . ورغم أنني وبقية الإخوة كنا ولا نزال نتعاطف مع أي مظلوم امتدت سطوة النظام فسلبته حقاً أو زادته رهقاً ، إلا أنني رأيت أولاء البعثيين في أغلبهم مجرد منتفعين مصلحيين من فلاحي منطقة الجزيرة . جاء البعثيون العراقيون إليهم فاستغلوا فقرهم وحاجتهم وبساطتهم وأمدوهم بالمال فأصبحوا يعبدون رب هذا المال ليس إلا ! ولقد تسبب لنا هؤلاء للأسف بمزيد من المعاناة ، وكانوا مصدر إزعاج حقيقي لبقية المهجع . ورغم أن عددهم تراوح بين عشرة وخمسة عشر إلا أنهم أساؤوا للمجموع مرات كثيرة . فرغم المحنة التي أصابتنا جميعاً إلا أنهم كانوا لا يكفون عن النظر إلينا والتعامل معنا كأعداء تاريخيين .. وكانوا لا يتورعون عن وصفنا رغم كل الذي حصل ويحصل بالرجعية ! ولذلك استباحوا أن يفسدوا علينا للشرطة وإلى حد الإفتراء . فكان أحدهم إذا عنّ له خرج من المهجع وتوجه إلى الرقيب أو الشرطي وابتدره بالقول :

سيدي أنا بعثي .

وجعل بعد ذلك يخبره أننا ننظم داخل المهجع دروساً ولنا من بيننا شيخ نتبعه .. وأننا ندعو في دروسنا في المهجع إلى الجهاد ! ولطالما تسبب ذلك في إخراجنا جميعاً إلى الباحة لننال عقوبة جماعية بسبب هذه الإفتراءات .

ولا زلت أذكر من أسماء أولئك اليمينيين واحدا اسمه حسين الحافظ ، وآخر اسمه يعقوب يعقوب ، وثالث لقبه أبو علي .. كانوا كلهم من هذه الشاكلة . وأما من كان صاحب فكر ووعي من اليمينيين على قلته فقد تحول إلى الحق وأعرض عن سفاسف مجموعته منحازاً إلى الإسلام ، وشهدنا منهم من هذا النموذج من أحجم عن ذكر اسمه الآن سائلاً الله له السلامة والثبات .

الشيوعيون المدللون !

وإذا كان هذا هو حال البعثيين العراقيين معنا فإن الشيوعيين الذين أحسسنا بوجودهم عام 84 كانوا في منزلة أخرى . ففي ذلك العام تم نقل الأخوات السجينات في مهجع المستوصف إلى سجن آخر . ولقد أحسسنا ذلك من خلال توزيع السخرة . فوقتذاك وفي ظل الإنفراج النسبي أوكلت إلينا مهمة توزيع الطعام على مهاجع الباحتين السادسة والسابعة ، وكان المستوصف ضمن هذا النطاق . لكن "البلدية" الموكلين بجلب الطعام أعلمونا في يوم من الأيام بالتوقف عن تقديم السخرة لمهجع المستوصف . وكنا قبل يوم مضى قد لمحنا رتلاً من النساء يغادر المهجع وقد قارب عددهن العشرين أو زاد عليه ، فأدركنا أنهن غادرن هذا المكان ، وسألنا الله تعالى لهن ولنا الفرج والنجاة . فلما خلا المكان أتوا بالشيوعيين إليه . فكنا نلمحهم بعض الأحيان ونسمع بوجودهم . ولما انتقلت إلى مهجع 29 لاحقاً صرنا متجاورين على باحة واحدة . وأصبح من الممكن لي أن أراهم بشكل متواصل وأطلع على وضعهم مباشرة . وكان أمراً مثيراً للعجب أن حالتهم كانت تختلف عن كل بقية السجناء تمام الإختلاف . فكانوا يطلقون شعورهم .. ويخرجون للتنفس بشكل دائم . ويتحدثون فيما بينهم ومع الشرطة بحرية كاملة .. ويدخنون ويطبخون ويستقبلون الزيارات بشكل متواصل . ولم نرهم يعذبونهم أو يضربونهم أبداً .. ولم نسمع بتنفيذ أحكام بالإعدام فيهم . ولم يكن عددهم يجاوز الأربعين .

مصيدة الطليعة !

ومضت الأيام ظاهرها الإنفراج وحقيقتها لؤم صرف وجشع وخسة تعصرنا من كل جنب عصراً . وخلال ذلك لم تتوقف دفعات القادمين الجدد إلى المهاجع مثلما لم تتوقف عمليات الإعدام . وكلما أخذوا من السجناء مجموعة للإعدام أحضروا مجموعة من المعتقلين الجدد بدلاً عنهم . لكن الحدث الجديد الذي زاد الطين بلة والعذاب عذاباً وقتها كان نجاح النظام في استدراج مجوعات من تنظيم الطليعة إلى سورية واعتقالهم جميعاً في خطة محكمة أوقعت عدنان عقلة نفسه بين أيدي المخابرات .

وكان استقبال شباب الطليعة غاية في الوحشية والفظاعة . وفي البداية تم عزلهم في مهجع خاص بهم صبوا عليهم فيه ما لا يوصف من العذاب .. حتى سلخوا جلودهم وهشموا أطرافهم وتركوهم من غير علاج يعانون أشد المعاناة .. إلى أن تعفنت أرجلهم المتقيحة وتفتحت جروحهم المتعفنة وسرت فيهم الغانغرينا فقضت على عدد غير قليل منهم . وبعد مدة وزعوا من بقي من هؤلاء الإخوة على بقية المهاجع ، كان منهم أخ من حلب التقيته اسمه أيمن عنجريني تم إعدامه فيما بعد . وآخر لم ألتقه ولكنني سمعت عنه وبلغني أنه أعدم بعدها وهو طاهر العلو من قرى حلب . ومن هؤلاء سمعنا بما جرى .. وبلغتنا أخبار الأحداث بالترتيب .. بدءاً بالشَرَك الذي أوقعهم فيه النظام عبر عميل مدسوس في صفوف التنظيم اسمه محمد جاهد دندش ، وانتهاء بوحشية التعذيب الذي لاقوه قبل أن ينقلوا إلى مهاجعنا .

وملخص ما حدث مع تنظيم الطليعة الذي توزع أكثر أعضائه بين الأردن العراق بعد أحداث حماة أن قيادته قررت العودة إلى الداخل لمعاودة بناء قواعدها وبدء مواجهة جديدة مع النظام . فالتقط جاهد دندش هذا الخيط وأوحى للطليعة أنه قد أمن لهم الطريق الآمنة والأدلاء الخبراء لإيصال العناصر إلى حلب . وبدء نزول الشباب عن طريق الحدود التركية السورية مجموعة بعد أخرى يتقدمهم عدنان نفسه . كان جاهد والمخابرات السورية يستقبلونهم أولاً بأول دفعة وراء دفعة ويرسلوا إلى قيادة الطليعة في الخارج الإشارة المتفق عليها فيما بين النازلين والقيادة إشعاراً بسلامة الوصول . حتى اكتمل نزول قرابة السبعين أخاً سقطوا جميعاً بين أيدي النظام لا حول لهم ولا قوة .

ولم نعلم عن مصير عدنان عقلة نفسه شيئاً مؤكداً ، إلا أن بقية الإخوة تنقلوا من فرع العدوي إلى التحقيق العسكري فتدمر . وزاد من معاناتهم ومعاناتنا معاً أنهم كانوا شديدي الإنغلاق على أنفسهم مثلما كانوا شديدين وجريئين في أحكامهم على قيادات الإخوان وتقييمهم لهم . وكانوا بعد هذا الإحباط الذي أصابهم والمشاكل التي عانوا منها من قَبْل مع قيادة الإخوان لا يتورعون عن وصمهم بالخيانة والعمالة ، ويحملونهم مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في حماة وفيما قبلها وبعدها . الأمر الذي استفز عناصر الإخوان في المهجع وهم يرون قياداتهم التاريخية ورموز تنظيمهم تجرّح على الملأ ، وأحدث بيننا سبباً جديداً للقلق وللتوترات .

تصفيات جماعية

وما لا ينسى من أيام عام 1984 المريرة أننا شهدنا فيها أحد أكبر عمليات الإعدام الجماعي إن لم تكن أكبرها على الإطلاق . فبعد انقطاع تنفيذ الأحكام عدة أشهر في تلك الفترة فوجئنا بالمشانق تنصب ذات يوم في الساحة السادسة بأعداد كبيرة ،وراح الزبانية يخرجون من الإخوة المعتقلين فوجاً إثر فوج إلى حتفهم . يومها قدّر الإخوة الذين تمكنوا من مشاهدة جانب مما يجري من خلال شق في الباب عدد الذين أعدموا بمائتين من غير مبالغة ، كان من بينهم كما بلغنا الأخ يوسف عبيد من دمشق . ومع تسرب الأخبار فيما بعد قدرنا أن تلك الإعدامات ترافقت مع حالة النزاع التي حصلت بين رأسي النظام حافظ الأسد وأخيه رفعت ، والتي شهدت حشودات عسكرية حقيقية بينهما . وفسرنا ما حدث بأن رفعت كان يهيؤ نفسه لاستلام الحكم بعد المرض الذي ألم بأخيه ، ولذلك أراد أن يصفي أكبر قدر ممكن من السجناء وينهي كل خطر مستقبلي محتمل .

المدير الجديد !

ولكن الأخ الأكبر تعافى بقدرة قادر ، وعاد يمارس سطوته على البلاد والعباد ، وهاله أن يجد النخر دبَّ في أركان النظام وبين رؤوسه المقربين ، فبدأ - مثلما تسرّب بعد ذاك - حملة تطهير وإعادة توزيع للأدوار . وفي هذا السياق طالت التغييرات إدارة سجن تدمر ، ووجدنا الشرطة العسكريين يطلبون رؤساء المهاجع لاجتماع مشترك في شهر تشرين الأول من عام 1984 . وذهب رئيس مهجعنا فيمن ذهب ، فلما عاد بعد قليل ونحن متلهفون لسماع الأخبار أخبرنا أن مدير السجن قد تغير ، ورحل معه مساعد الإنضباط وسمسار الضحايا محمد الخازم . وأن المدير الجديد هو مساعده ونائبه النقيب زكريا العش . وأنه اجتمع بهم وهم مغمضو العيون وحذرهم من أن التراخي الذي ساد في الفترة الماضية قد انتهى .. وعاد النظام الآن وعاد الإنضباط . ورجع نظام إقفال العيون أمام الشرطة .. والويل كل الويل للمخالفين!

ولم تمض برهة من الوقت ونحن لم نكد ننتهي من أسئلتنا وتساؤلاتنا بعد حتى حضر الشرطة لأخذ التفقد . فصاحوا فينا فور دخولهم أن نغمض أعيننا ونقف بوضع الإستعداد . وما لبثوا أن ساقونا إلى خارج المهجع وانقضوا علينا ضرباً وصفعاً وجلداً حتى سلخوا جلودنا . وبدأنا من يومها مرحلة جديدة من الشدة والعذاب . وعاد التفقد الصارم والتنفس المقيت والقتل والتعذيب والإهانات . وكان الإعفاء الوحيد للمسلولين من الحمام رحمة تقينا عذاب تلك الساعة ، لكنهم سرعان ما عوضوها بمضاعفة العذاب علينا في التنفس !

وتوقف بث الإذاعة عنا من حينها . وصدر الأمر من ذلك الوقت بتكميم أفواه الخارجين للإعدام فلم يعد يسمع لواحدهم قبل أن يطوق عنقه حبل المشنقة صوت ولا تكبير . وعاد البطش أشد علينا من السابق . ثم لم يلبث أن اشتد أكثر وتضاعف بحضور المدير الجديد اللواء غازي الجهني لاستلام منصبه بعد قرابة شهرين . فارتفعت وتيرة البطش إلى أقصى درجاتها . وعاد الشرطة إلى ممارسة التعذيب الوحشي من جديد . حتى أنهم أخرجونا في أحد الأيام للتنفس مغمضي العينين كالعادة تلاحقنا السياط والعصي والكرابيج . فكان قدر أخ من حلب اسمه عبد الباسط دشق أن تصيبه ضربة من هؤلاء الزبانية على عينه مباشرة فتفقأها . فعاد المسكين عندما عدنا تغطي الدماء وجهه ، وهو لا يكف عن التقيؤ من شدة ألمه . وعندما دق مسؤول مهجعنا الصحي وقتها الأخ علي عباس من ادلب ليخبر الشرطة بحال الأخ ، لم يجرؤ أن يقول لهم أن أحداً منهم أنفسهم فقأ عينه ، بل اعتذر وسألهم العفو وهو يقول لهم بأن أحداً من مهجعه سقط في الحمام ففقئت عينه !

لكن أحداً لم يبال ، ولم تسفر المحاولات المتكررة عن شيء . وحينما تكرم طبيب السجن وحضر لمعرفة سبب شكواه بعد يومين أو ثلاثة لم يزد عن أن أعطاه بضع حبوب مسكنة ومضى . وظل المسكين يعاني عذاباً لا يوصف شهوراً عديدة من غير أن يهتم به من هؤلاء الزبانية أحد .

تأديب !

وعلى الرغم من هذا البطش أو ربما بسببه قام واحد من المعتقلين اليافعين من ادلب من بيت سيد عيسى نزيل مهجع الأحداث 36 بالتصدي ذات يوم لواحد من الشرطة آذاه كما يبدو في الباحة أثناء التنفس فهجم عليه الشاب وضربه . ورغم أن الحادثة كانت عفوية لا تعدو أن تكون ردة فعل انفعالية وحسب ، وعلى الرغم من أن الشرطي رد عليه وقتها وأشبعه ضرباً ، إلا أن الأمر أخذ بعداً كبيراً . فأدخلوا السجناء إلى المهاجع كلهم ، وحضر مساعد السجن الجديد محمد نعمة بنفسه يحقق في الأمر . وأخرجوا الأخ المسكين فأجلسوه في الدولاب وانهالوا عليه ضرباً وجلداً حتى كادوا يزهقون روحه . وبعدما انتهوا أخرجونا نحن سجناء الباحة السابعة كلنا وضربونا ضرباً مبرحاً حتى يؤدبوننا ويقتلون فينا أي مشاعر محتملة بالتمرد . ولذلك لم يكن الإخوة يردون على أذى الشرطة واعتداءات جلادينا لسببين : فهم يعلمون أولاً أن النتيجة محدودة إن لم تكن منعدمة ، فيما سيكون الخطر متحققاً وغير محدود ، وربما أفضى بالشخص إلى الهلاك . ولخشيتهم ثانياً أن تتسبب أعمال كهذه في إيقاع الأذى ببقية السجناء من غير سبب ولا حاجة . وكان الشعور السائد أننا وقعنا بأيدي الظلمة بقدر الله ، وأننا إذا احتسبنا وصبرنا فهو خير لنا من أن نتسبب لنا ولمن حولنا بمزيد من المفسدة والأذى .

آية الله في أبي عوض !

غير أن الرأي لدى بعض الإخوة كان مختلفاً بعض الشيء كما يبدو . والصبر على هذه الأهوال وقد فاض الكيل انتهى بهم إلى قرار الإنتقام من أجير الإدارة وكلبها الخسيس أبي عوض . الذي بلغ تطاوله مدى لا يسكت عنه .. وتجاوزت وقاحته حدود العفة والأخلاق . فاتفق عدد من شباب المهجع 26 على تأديبه ونفذوا ما اتفقوا عليه . فاجتمعوا وانهالوا عليه ضرباً لم يكن له أن يرده . فلما قلب أبو عوض الأمور وفكر وقدر .. وجد نفسه قد انكشف وتحطمت هيبته الواهية . ورآها كأنما فرصة ترفع منزلته لدى المدير الجديد . فطلب مقابلة الرقيب فجأة وأخبره بأن لديه أخباراً مهمة يريد أن يوصلها للإدارة . ولما سأله عن نوع هذه الأخبار قال له أبو عوض إنه اكتشف وجود تنظيم للإخوان داخل المهجع . فكانت هذه العبارة أكثر من كافية لتستنفر الرقيب والمدير وكل الزبانية على هذه الحفنة من السجناء المساكين .

واقتحم الشرطة المهجع على الفور ينتظرون الإشارة ليفتكوا بالمساجين . فلما رأى الإخوة الأمر بهذه الخطورة قرروا أن يقفوا صفاً واحداً في وجه افتراءات أبي عوض وتسلطه . وجعلوا يخبرون الرقيب بكل مخالفاته وسرقاته والرشاوى التي أخذها والإنحرافات التي أحدثها . وأكدوا له أن اتهامات أبي عوض محض اختلاق . وأنهم أمامه جميعاً مستعدون لتحمل أشد أنواع العقوبات إذا ثبت من تلك الإتهامات شيء .

وسبحان من جعل الشرطة يصدقون السجناء هذه المرة . لا ندري أهي غيرة من أبي عوض الذي بات يتمتع بمزايا ويجمع من الأرباح والأموال ما لم يتح حتى للشرطة العسكرية أنفسهم .. أم أن الأمر أتى انسجاماً مع عهد المدير الجديد الذي أراد أن يساوي المساجين كلهم في العذاب والمعاناة ويفرض هيبته على رموز العهد البائد ! كل الذي دريناه وعلمناه أن الرقيب أمر أبا عوض وقد بُهِت أمام جرأة الإخوة أن يجمع أغراضه ويخرج . ومن رئاسة مهجع 26 اقتيد أبو عوض إلى الحلاق هذه المرة فجز شعره وشاربيه ، ثم ألقي به في مهجع 31 مجرداً من كل صلاحياته السابقة .

ودارت الدائرة على أبي عوض . وجعل الشرطة منه هدفاً معلّماً يخرجونه إلى الباحة كل يوم لينال عذاباً مستقلاً . وصرنا نسمع صياحه وتوسلاته تصم الآذان .. وصراخه يملؤ السجن كله . حتى سلخوا جلده من القتل وحطموه من التعذيب . وظل ستة أو سبعة أشهر على هذه الحال يذوق وبال أمره ويكتوي بسيف أسياده أنفسهم . وفي أواخر عام 87 نقل أبو عوض إلى سجن صيدنايا مع مجموعة من السجناء . فأنجانا الله من شره ومكره . وأرانا آية باهرة فيه لا تنسى .

المحكمة !

وانتهى العام .. ومضت أيام عام 85 على نفس الوتيرة من العذاب والقهر والمعاناة .. لتمضي قرابة خمس سنوات على اعتقالي .. حكم خلالها من كان من دفعتي بما حكم ، ونفذت الإعدامات بمن كان نصيبه حكم الإعدام ولم تتم محاكمتي أنا بعد . ولقد كان ذلك مصدر قلق دائم لي . فالمصير الواضح يظل في النهاية أخف من انتظار المجهول . والأعمار كلها بقدر الله أولاً وأخيراً .

وفي يوم 30/3/1985 وحوالي الساعة العاشرة فتح الشرطي شراقة الباب في مهجع السل 35 وتلى أسماء عدد من السجناء من لائحة بيده مطلوبين للمحاكمة ، كان من ضمنهم اسمي أنا واسم أخوين آخرين من مهجعنا . وخرجنا أنا والأخ حزين قاسم محاميد من المعرة وهو ابن دفعتي أيضاً ، وثالثنا أخ من قرى حلب خريج المدرسة الشرعية من بيت المصطفى فيما أذكر . وفي باحة الذاتية تم تجميعنا قرابة السبعين أو ثمانين شخصاً مغمضي الأعين مكبلي الأيدي وأمرونا أن نجلس القرفصاء وجوهنا للجدار وظهورنا كالعادة باتجاه الشرطة الذين لم يكفوا عن ضربنا وركلنا ولطمنا بالعصي والخيزرانات والكرابيج .

وبعد قرابة الساعتين من الضرب والشتم والتعذيب وصل دوري ونادى المنادي اسمي فرفعت يدي بالإجابة . وعلى باب الغرفة التي تتم فيها المحاكمة أمرني الرقيب أن أفتح عيني واقتادني إلى كرسي أمام القاضي وأجلسني عليه . لكنني بقيت من خوفي وتحسبي مغمض العينين مطرق الرأس حسب التعليمات . فناداني هذا الرجل القابع وراء المكتب باسمي وقال لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه .

فعلت ما قال صاحب الصوت .. ونظرت فرأيت رجلاً قصير القامة أصفر الوجه لئيم النظرات .. يتدلى حول شفتيه شاربان رفيعان يخضبهما الشيب فكأنهما شاربا فأر عجوز . يتوسط شخصين آخرين عن يمينه وشماله .. قدرت أنه سليمان الخطيب الذي طالما تحدث الإخوة عنه وقصوا من قصص لؤمه وخَبَله الكثير !

من نظمك ولا ؟

هكذا ابتدرني سليمان الخطيب بالسؤال .

قلت : سيدي أنا مش منظم .

قال : شو اسمك إنت ؟

محمد سليم حماد سيدي .

قال وهو يمعن النظر في إضبارتي : انت أردني ولا !

نعم سيدي .

ما بكفينا هالعرصات اللي عنا ولا .. انت جاي كمان هون تقاتل معهن ؟

قلت له : سيدي أنا ما قاتلت ولا عملت شيء .

وعاد يقرأ في الإضبارة للحظات ثم سألني :

شو علاقتك مع سالم الحامد ؟

قلت وقد تبين لي أنه لم يطلع على الملف من قبل : كنت أعرفه من الجامعة .

ومن غير أن يزيد أو ينقص عقد سليمان الخطيب حاجبيه وقطب جبينه ثم التفت نحوي وصاح :

نحنا عم نحكم الناس هون بالإعدام .. وإنت لازم نشنقك من بيضاتك !

واتجه بنظره إلى الرقيب وقال له وقد قضي الأمر : خذه .

وكانت تلك نهاية محاكمتي . ومضيت عائداً إلى الرقيب لا أكاد أحس لشيء من حولي بطعم أو معنى . فلما أعادني بدوره للشرطي أمرني ذاك ومن غير مقدمات أن أفتح يدي . فلما فعلت هوى بالكرباج عليهما ثم أمرني أن أجلس مكاني .

وتتابع دخول الإخوة إلى المحاكمة وخروجهم منها . حتى إذا انتهت الدفعة عادوا بنا كل إلى مهجعه . وأقبلت على الأخوين الذين خرجا من المهجع معي أسألهما عن الحكم فأخبراني أنه الإعدام أيضاً . لكن ذلك لم يكن بعد هذا الذي رأيناه طوال السنوات الخمس الماضيات يعني لنا الكثير . فالموت في هذا المكان متوقع في كل لحظة .. وهو إذا حدث خاتمة الأحزان وباب الفرج . ووالله ما رأيت أحداً ممن خرج إلى الإعدام كل هاتيك السنوات التي قضيتها هناك اختلجت له شعرة .. الكل كان إذا دنت ساعته مقبلاً غير مدبر . وإذا طلبوه بادر بنفسه يستبق إلى الباب رغبة منه بالشهادة ولقاء الله .

بقرة أبي سليمان !

ومن المضحكات المبكيات التي لا تزال عالقة بذاكرتي عن أيام المحاكمات وحكاياتها أن أخاً ممن عرضوا على المحكمة كان طبيباً بيطرياً من منطقة الساحل السوري وكان يعمل في قرية دريكيش مسقط رأس سليمان الخطيب رئيس هذه المحكمة الهزلية . ولقد حدث أن أهل سليمان الخطيب كانوا يربون الأبقار كما يبدو . فلما مرضت إحداها أخذوها قدراً إلى ذلك الأخ ليعالجها . لكنها ماتت بقدر الله بعد ذلك . ودارت الأيام وإذ بالطبيب البيطري يقف أمام القاضي سليمان الخطيب نفسه . فلما عرفه اصفر واستفز وصاح فيه :

آبتذكر يوم جبنالك البقرة وقتلتها ولا ؟ روح بدي أعدمك .

ولقد تم إعدام الأخ المسكين بالفعل . وسمعنا القصة من عدد من الإخوة كانوا معه في نفس المهجع التقيناهم بعدها . سمعوا الرواية من الطبيب وشهدوا بأنفسهم إعدامه رحمه الله !

ومما كان يتداوله السجناء عن عبثية تلك المحكمة وسخافة رئيسها ومزاجيته أن أحد العسكريين الذين كانوا يخدمون في مدرسة المدفعية بحلب أيام استشهاد النقيب ابراهيم اليوسف الذي نفذ حادثة المدرسة قبل ذلك بشهور . هذا العسكري أُمِرَ مع بقية الضباط والجنود في المدرسة بالمرور على جثة النقيب المسجاة والبصق عليها . ويبدو أن الأخ امتنع عن التنفيذ أو أحجم أمام هيبة الموت .. فاعتقلوه من ساعتها وساقوه من سجن إلى آخر لينتهي به المطاف بين يدي النقيب سليمان الخطيب هذا في محكمة تدمر . فلما سأله لماذا امتنع عن تنفيذ الأمر العسكري أجاب الأخ بأنه لم يمتنع ولكن ريقه كان ناشفاً . فاتجه سليمان الخطيب إلى كاتب المحضر وأملاه ليكتب :

 .. وبصق وكانت بصقته ناشفة . إعدام !

وأعدم الأخ كذلك .. وظلت القصة تدور على ألسنة السجناء واحدة من مهازل هذا النظام واستهتاره وظلمه . وشاهداً على سفاهة ذلك القاضي الدعي ومزاجيته وحقده .

في انتظار الموت !

ومضت الأيام .. وبات الموت الآن أدنى إلينا نحن الذين حكمنا بالإعدام . وبعد شهرين .. وكما جرت العادة دوماً نصبت المشانق مع إطلالة الصباح واستعد الجلادون ، وبدأت جموع الشباب المؤمنين تساق إلى حتفها . وفتح باب مهجعنا ونادى الشرطي اسم الأخ الذي كان ثالثنا في المحكمة . لكن الذي حدث أنه رحمه الله كان قد مات قبل أسابيع قليلة بين أيدينا بعد أن غلبه السل وقضى عليه . فعاد الشرطي ومن معه يخرجون سجناء آخرين من المهاجع المجاورة . وأما أنا وما أن نادى الشرطي اسم الأخ حتى خلت منيتي قد حضرت . وإذا كانوا قد نادوا عليه فأنا وإياه قد حكمنا في يوم واحد .. وتنفيذ الحكم لا بد وأن يكون في نفس اليوم أيضاً . وهرعت من فوري فصليت ركعتي الشهادة على عجل . وجعلت أخلع عني ملابسي ليستفيد منها الإخوة الآخرون من بعدي .. ووقفت عند الباب متوجساً أنتظر أن ينادوا علي . وجعل الإخوة يقتربون مني واحداً بعد الآخر يودعونني ويثبتونني .. وراحت الخواطر تأخذني يسرة ويمنة .. وعبرت صورة أهلي أمام ناظري فغصصت . وتوجهت إلى الله تعالى أدعوه بسري أن يلهمهم الصبر والسلوان .. وأن يجمعني معهم في الجنة . وأخذت أسأله سبحانه أن يغفر لي ويتغمدني برحمته .. وأنظر إلى الباب أنتظر أن يفتح اللحظة . فإذا مرت قلت هي اللحظة التالية . لكن الوقت مر .. وانتهى تنفيذ الأحكام .. وهدأت الأمور في الخارج ولم يأت أحد . فلم أجد إلا أن أرتد إلى مكاني كما يرتد الغريق من غيبوبة الإختناق إلى صحوة الحياة .

وأيقنت أن في العمر بقية لم تزل ، وأن الأجل لم يحن بعد . ومضت أسابيع أخر .. واستعدت ساحتنا لتشهد مجموعة جديدة من أحكام الإعدام . وعاد الشرطي إلى مهجعنا فنادى الأخ الآخر حزين قاسم الذي حكم معي .. وساقوه إلى الموت وأنا عند الباب أنتظر دوري كما فعلت المرة السابقة . لكن أحداً لم يحضر لطلبي . وانتهت عملية الإعدامات كذلك من غير أن أكون أحد ضحاياها . وأخذت كلما سيقت إلى الإعدام دفعة من الإخوة أكرر ذات الموقف طوال السنوات الخمس التي تلت ! لا أشك في أي مرة منهن أن دوري قد حان الآن . وأحس أن خطأ ما قد حدث في المرات السابقات ولسوف يصححونه هذه المرة ويقودونني إلى أجلي لا ريب !

تقنين الطعام !

ومرت الأيام والشهور ولم يحن الأجل .. وخلال ذلك تم نقلي من مهجع 35 إلى مهجع السل 37 فالتقيت وجوهاً جديدة ، وتعرفت على إخوة لم يسبق لي أن التقيتهم من قبل . لكن الظروف كانت متماثلة ، والمعاناة ظلت واحدة . وزاد البلاء حينما طبق علينا نظام تقنين الطعام ابتداء من شهر أيلول 1986 فصار نصيب أحدنا من الخبز نصف رغيف فقط بدل الرغيفين الذين كنا نحصل عليهما في السابق ! وصرنا من جوعنا نأكل قشرة الصمونة مع واحدة من الوجبات ونوفر العجين بلبّها الذي لم ينضج للوجبة الثانية بعد أن اعتدنا في الفترة السابقة على رميه لأنه يصيب آكله بوجع البطن ولا يقي من الجوع . لكنا مع شدة الحاجة صرنا نعجنه مع البصل والملح ونوفره للوجبة التالية . ويوم أن كان يأتينا البرتقال كنا نقدمه على البصل فنمزجه بقشره مع العجين ، ونرش على الخليط ما توفر لنا من السكر ونحتفل به وكأنه طبق من الحلوى !

اليرقان

وهكذا انتشرت المجاعة في السجن وازدادت الأمراض وتزايد عدد الوفيات . حتى صرنا نودع في بعض الأحيان أخاً وأخوين كل يوم . وفي تلك الفترة وزيادة على البلاءات التي نحن فيها دهمنا عن غير ما موعد وباء اليرقان الكبدي .. فجعل الضحايا يتزايدون . ولخطورة هذا الوباء دعت إدارة السجن رؤساء المهاجع جميعاً إلى لقاء مشترك لتدارك الأمر . وكانت خشية الإدارة في مثل هذه الأحوال تنصب على المسؤولين وأفراد الشرطة بالدرجة الأولى . خوفاً على أنفسهم وخشية من أن تطولهم العدوى إذا انتشرت فينا . ولقد وفق الله أحد المسؤولين الصحيين وقتها فأبدى قناعته بأن الوباء إنما ينتشر عن طريق الدم بالدرجة الأولى . وأن ذلك يتم خلال الحلاقة الجماعية . ومن لطف الله أن إدارة السجن اقتنعت بكلامه . فتقرر من وقتها وقف الحلاقة الجماعية . وتم تسليم رئيس كل مهجع ماكينة حلاقة يدوية . يكون مسؤولاً عنها وعن أمر الحلاقة الدائمة لمهجعه . فرحمنا الله من عذاب الحلاقة من يومها . وخلصنا سبحانه من بعض هذا الضنك  .

منع الصيام

واستمرت المحنة تدور رحاها من غير رحمة . ولم يعد للأيام ولا السنوات في حياتنا معنى .. فالبرنامج اليومي لا يكاد يتغير . والعذاب والمعاناة لا تترك لواحدنا فرصة التقاط الأنفاس . والقتل والإعدامات قتلت فينا شهوة الحياة وأطفأت معنى المستقبل لدينا . وهكذا حل عام 86 متصلاً بمأساة الأعوام التي سبقته وواصلاً إياها لما بعده من أعوام تلت . وفي بداية ذلك العام كان قد جرى نقلي إلى مهجع المسلولين 29 في الباحة السابعة وصرت رئيساً له منذ ذاك . ولم يكن في الساحة التي عليها المهجع إلا مهجع ثان فقط هو مهجع 30 إضافة إلى المستوصف الذي تم تخصيصه للسجناء الشيوعيين كما ذكرت . فكان نصيبنا من التنفس مضاعفاً . وبدل أن يكون مرة في اليوم كما جرت العادة فقد أصبح مرتين الآن صبحاً ومساء . ساعة في كل مرة بدل أن تكون نصف ساعة كما سبق . وهذا يعني مزيداً من العنت والقتل والتعرض لأذى الشرطة المتربصين .

ولقد اشتد أذى الشرطة في تلك الفترة زيادة عما هو عليه وتمادوا في عدوانيتهم . فكنا إذا خرجنا إلى التنفس في الصباح أو في المساء جهزنا أنفسنا لحفل كامل من التعذيب ينتظرنا . ولكم كان يحلو لهؤلاء الزبانية أن يبطحوا واحداً منا على الأرض ويأخذوا بالقفز على ظهره أو على صدره بلا رحمة . ولكم تكسرت أضلاع إخوة منا في هذا النوع من التعذيب . ولا أنسى كيف قام واحد من هؤلاء الموتورين مرة بإخراج عضوه على مرأى الناس جميعاً وأخذ يبول علينا ونحن جالسين القرفصاء بين يديه في موعد التنفس ! وأما الجلد والضرب والمسبات البذيئة فهذه كلها لم تعد تدخل في الحساب لأنها جزء لازم من حياتنا على مدار السنوات التي خلت .

ومما لا يزال واضحاً في ذاكرتي عن ذلك العام أنهم منعوا فيه الصيام عنا في رمضان لأول مرة . فمن قبل كانوا يأتون لنا بالسحور والفطور بدل وجبات الطعام المعتادة . لكنهم وابتداء من رمضان عام 1986 امتنعوا عن ذلك . وصارت الوجبات الثلاث على فقرها تأتينا في مواعيدها العادية . وصار ممنوعاً ادخار الطعام إلى الفطور أو السحور . فإذا أحسوا أن أحدنا صائم أخرجوه وقتلوه قياماً وقعوداً وأجبروه على الإفطار . وهكذا صرنا ممنوعين من الصلاة ومن الصيام معاً . وزادنا الزبانية بذلك هماً جديداً وقهراً وعذاباً من نوع آخر .

كذلك يحضرني من ذكريات عام 1986 المريرة إعدام العميد أحمد غنوم الذي اعتقل منذ عام 1980 وظل طوال تلك السنين يعاني عذاباً مضاعفاً من الشرطة الحاقدين الذين كانوا يتلذذون بتعذيبه رحمه الله ، ويحسون بالنشوة وهم يرون إنفسهم يتحكمون بهذه الرتبة العسكرية العالية وهم مجرد أفراد مجندين في التسلسل العسكري .

اختناق

ومع اشتداد الكرب وتوافد المزيد من السجناء على المهاجع التي اكتظت بنزلائها حدثت في شهر آب من عام 87 حادثة مثيرة . ففي ذلك الشهر الذي يسمونه آب اللهّاب ارتفعت الحرارة بشكل غير معقول في الوقت الذي كانت التهوية في المهاجع منعدمة والشراقات والنوافذ تجلب المزيد من السخونة ولا تقي من وهج الشمس شيئاً ، مما تسبب في حادثة اختناق جماعي كادت تودي بأرواح العشرات .

ولقد بدأ الإختناق وقتها في مهجع السل 36 قبيل المغرب وأخذ السجناء الذين شارفوا على الموت يقرعون الباب وينادون الحرس وقد طاشت منهم العقول وشارفوا على الهلاك . فلما أتوا يسألونهم عم حدث صاحوا فيهم أنهم يختنقون . لكن الشرطة لم يأخذوا الأمر مأخذ الجد وتلكأوا في الرد عليهم . ففقد السجناء المساكين عقولهم وقد قاربوا أن يفقدوا أرواحهم جميعاً ، وأخذوا يقرعون الباب ويدقون على الجدران ويرفعون أصواتهم بالصراخ والمسبات .

وسرعان ما صدرت الأوامر للشرطة فانتشروا على أسطحة مهاجع الباحة كلها ، وسلطوا الرشاشات الكبيرة 500 مم على المهجع خشية أن يتطور الأمر إلى تمرد أو عصيان جماعي ، ثم فتحوا الباب للسجناء ليخرجوا إلى الباحة . وما أن فعلوا حتى اندفع الإخوة من غير وعي لا يلوون على شيء . وارتموا على الأرض يتلوون ويتقيأون . وحضر طبيب السجن وقتها وتأكد من جدية الأمر . ولم يلبث أن صدر الأمر بإخراج سجناء المهاجع كلهم إلى الباحات تفادياً لتكرار الأمر . وبقينا يومها في الهواء الطلق حتى قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل قبل أن يعيدونا إلى مهاجعنا . ومن يومها وعلى مدى أسبوعين تاليين ظللنا نخرج إلى التنفس مرتين في اليوم من غير ضرب أو تعذيب . وسمحوا لنا وقتها أن نرش أرض الباحة الإسمنتية بالماء للتخفيف من حدة الحر . ثم لم تلبث هذه الإستثناءات أن انتهت . وعدنا إلى برنامج المعاناة نفسه . فنجونا من الحر القاتل ومن الإختناق ولكن إلى حين !

تنقلات

مضت أيام قليلة على حادثة الإختناق تلك لأراني أنقل من مهجع السل 29 إلى مهجع جديد للأصحاء بنوه أمام مهجع 25 في الباحة السادسة أطلقنا عليه اسم "جديد ظهره" . فوجدتني في مساحة غرفة ونصف محشوراً مع مائة وعشرين سجيناً نكاد من شدة الزحام أن نجلس فوق بعضنا البعض !

ولقد تم اختياري رئيساً لهذا المهجع أول ما دخلناه . فلما رأيت الحالة على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبة طعام يحضرونها إلينا وقلت للمساعد أن العدد كبير هنا . ومن غير أن يجيبني بشيء مضى المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قياماً وقعوداً رجعت منها إلى المهجع محملاً !

لكن الحر لم يكن ليرحمنا .. والمكان يطبق علينا بجدرانه الصماء فكأنه القبر . ولم تمض أيام قلائل حتى طفح الكيل بنا وفقدنا القدرة على التحمل . وجعلنا قرابة منتصف الليل ننادي الشرطة وندق الباب ونقفز نحو النوافذ نكاد نختنق . وعاد الشرطة فأخرجونا إلى الباحة ساعة زمن ثم أعادونا . ثم لم يلبثوا وأن عادوا وطلبوا عشرين شخص منا ليغادروا إلى مهجع آخر فكنت في طليعتهم . ووجدتهم يقودوننا إلى مهجع 28 في نفس الباحة . فكانت فرصة لي للنجاة من الإزدحام من جهة ، والتعرف على إخوة جدد من ناحية أخرى . كان من أبرزهم الشيخ محمد سعيد عطا أحد تلاميذ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي . فاستفدت من علمه ومن صحبته .

كذلك التقيت في مهجع 28 رجلاً من بيت العطار من حلب وجدت الإخوة يجهدون في مداراته وخدمته والتخفيف عنه . ولم ألبث أن أعلموني أن المسكين شهد سَوْقَ ولديه الإثنين إلى الإعدام أمامه وهما في مقتبل العمر . وما زاده ذلك إلا إيماناً وتسليماً