أمر بالفاحشة !
وأمعن الشرطة في إجرامهم
وغيهم .. وزادوا في بطشهم وتفننوا في أساليب العدوان . فكم من مرة
فوجئنا ونحن في ساعة النوم بواحد من هؤلاء السفهاء يطل علينا من الشراقة فوق السقف
ويبول فوقنا عامداً متعمداً .. أو يبصق علينا مرة واثنتين وثلاث . والويل
كل الويل لمن رفع رأسه أو تململ في مجلسه ! ولكم أخرج هؤلاء الظلمة واحداً أو
أكثر من بيننا في منتصف الليل ليتسلوا بتعذيبه من غير أي سبب .. أو اجتمع
عليه الجلادون في حر الظهيرة فأوسعوه لطماً وضرباً وسحلوه على أرض الباحة وهم
يضحكون !
وعلاوة على الكبلات والعصي والسياط
التي كانت تنهش الجلود وتحطم الأضلع وتشوه الوجوه ، عمد الزبانية إلى استخدام
قضبان حديدية في ضربنا . ويا بؤس من ناله من هذه القضبان ضربة ! وإضافة
إلى ذلك استخدم الشرطة القضبان ذاتها لتحطيم نفسياتنا . فكانوا إذا حان يوم
الحلاقة مثلاً دخلوا من باب الساحة السادسة التي تبعد عن مهجعنا عشرات الأمتار
ورموا القضبان الحديدية على أرضها الإسمنتية لينطلق صوت ارتطامها بالأرض فيصلنا
كأنه نذير الموت ! ولم يكن الإخوة كلهم في درجة واحدة من الثبات وقدرة
التحمل . فكان بعضهم ترتعد فرائصه إذا سمع ذاك الصوت ويبكي حتى من قبل أن يصل
الجلادون !
غير أنه مما لا ينسى أبداً من
مشاهد تلك الفترة يوم أن أطل أحد الحراس من شراقة السقف ونادى على أخوين شقيقين في
مهجعنا وأمرهما بكل صفاقة وسفالة أن يخلعا ملابسهما ويفعلا الفاحشة ببعضهما
البعض ! ومع الضحكات الفاجرة والمسبات الدنيئة أصر المجرم على تنفيذ
الأمر .. ولم يجد الأخوان إلا أن يجاريانه خشية أن يحدث ما لا تحمد
عقباه .. فخلعا ملابسهما بالفعل .. والسفيه يلاحقهما ليفعلا أكثر
وأكثر .. وأطرقنا نحن وأغمضنا عيوننا لا نكاد نصدق هذا المدى من الخسة الذي
بلغه أولئك الوحوش .. وجعلنا نبتهل في سرائرنا أن يصرف الله الأذى وينجي
الأخوين وينجينا من هذا الخسيس . والكفر بالله والمسبات والشتائم تندلق علينا
من فمه النجس ولا تكف . فلما أحس أنه ضحك بما يكفي وحقرنا بما يشفي غليل حقده
ورحل .. أحسسنا وكأننا خرجنا من كابوس مرعب لا يوصف . وأطرقنا صامتين لا
نستطيع أن ننظر في وجوه بعضنا البعض ساعات عديدة . ولم يفتح أحد منا سيرة ما
جرى بعدها .. ستراً للأخوين وحفاظاً على شعورهما وكرامتهما ، وكرامة
وشعور أبيهما الذي كان نزيل المهجع نفسه !
ولقد تكرر مثل هذا الحدث غير
مرة . وأعاد هؤلاء السفهاء الطلب وأمثاله في أكثر من مهجع ..وكانوا
يفتحون الباب علينا أو ينادون في التنفس واحداً منا ويقول الشرطي له :
أنت يا ... أنا بدي أعمل
في أمك كذا .. شو ؟
فكان المنادى يسكت أول الأمر
ولا يجد ما يجيب به . فتأتيه لطمة أو ضربة من جلاده وهو يصيح به :
كرر يا ... أنا بدي أعمل
بأمك كذا . شو ؟
فلا يجد المسكين إلا أن يقول
بذل وانكسار :
أنت تريد أن تعمل بأمي كذا
وكذا سيدي .
فإذا أشبع ذلك من صلف المجرم
تركه ، وإلا أمره أن يعيد ما قال ويُسمع به آخر من في الساحة أو في المهجع
حتى تقر عينه الفاجرة وتسكن هواجسه الخبيثة !
المنفردات
وذات يوم من أيام عام 82
القاسية دخل عناصر الشرطة العسكرية المهجع فجأة وأمرونا جميعنا بالإنبطاح .
وما أن امتثلنا للأمر حتى أمرونا بالوقوف من جديد . ولم يكن لمثل هذه الأوامر
من سبب إلا إرهاقنا وإذلالنا . لكنهم وعندما انتصبنا واقفين لمحوا أخاً بيننا
اسمه أحمد فطومة من حماة كان مشمراً قدراً عن ذراعيه . فقالوا له ولطمة من
أيديهم المتعطشة للدماء تطاله :
هنت ( أي أنت ) بتتحدانا
ولا ؟ قوم للسواليل .
وسحبوا الأخ سيىء الطالع من
بيننا واقتادوه إلى واحدة من بضع زنازين منفردة قرب المطبخ يسمون الواحدة منها
سالولاً بلغة السجن . واقتادوا أخاً آخر من حمص معه لسبب تافه مماثل .
ولقد غادرت المهجع بعد قرابة العام والأخَوَان في السجن الإنفرادي لم يعودا
بعد . وبلغني لاحقاً أن الأخ أحمد فطومة مات من التعذيب . ووصلتنا
الأخبار بعدها كيف أن العذاب يتضاعف على الإخوة هناك ويجتمع الشرطة كلهم على
السجين الواحد بدل أن تتوزع سياطهم واعتداءاتهم على مهجع بأكمله . ولكن وحشة
الإنفراد وهول الوحدة في هذا المكان الرهيب تظل في اعتقادي أشد من كل هذا العذاب
وأقسى !
من لائحة الجناة
وعلى الرغم من أن أفراد
الشرطة العسكرية والرتب التي تعلوهم كانوا يحرصون على عدم معرفتنا لشخصياتهم
وأسمائهم . ورغم الظروف القاسية التي كنا نواجهها عندما نكون أمام واحد
منهم . إلا أننا وبمرور الأيام تمكنا من معرفة بعض منهم . وكان ذلك يتم
على الأغلب من سماعنا واحدهم ينادي الآخر باسمه أو يتحدث عن ثالث منهم فيذكره
ويسميه . وهكذا علمنا أن مدير السجن هو المقدم فيصل الغانم الذي نفذت على
عهده مجزرة تدمر الكبرى في 26/6/1980 . يساعده النقيب بركات العش ،
وكلاهما من الطائفة العلوية ومن محافظة اللاذقية . وكان يقوم بمهمة ما يسمى
إدارة الإنضباط المساعد أول أحمد كيساني أو "أبو جهل" كما كنّاه
السجناء . يساعده عريف عاصره من عام 80 وبقي إلى عام 84 اسمه فواز .
ورقيب أول رافقنا من عام 81 إلى عام 85 اسمه جهاد ، كان لا يجارى في شراسته
ولا يفوقه قسوة في استخدام السوط أحد . وكان ثمة رقيب آخر لا يقل عنه لؤماً
وبطشاً اسمه شعبان حسين . وهؤلاء جميعاً من طائفة الأقلية الحاكمة .
وكان هناك شرطي آخر غاية في الإجرام كان يتفنن في ضرب المعتقلين خاصة أيام
"الإستقبالات" اسمه نعيم حنا ، بلغنا أنه مسيحي آشوري .
وعندما غادر أبو جهل السجن
عام 82 ، وأشيع أنه هرب إلى العراق - وإن كنا لا ندري صحة تلك الإشاعة - خلفه
في مهمته الرقيب فيصل كحيلة ، وهو علوي كذلك من اللاذقية ، وكان غاية في
السادية والإجرام ، ولا يحلو له أن يعذب السجناء إلا بضربات العصا الغليظة
التي يمكن أن تقصم الظهر أو تزهق الروح . ولقد أشيع كذلك أن فيصل هذا قتل
فيما بعد ، وهي مجرد إشاعة تضم إلى كثير مما كنا نسمعه ولم نتأكد منه .
وكان يساعده في مهمته عريف اسمه علي شعبان ترفع إلى رتبة رقيب أول لاحقاً .
وعريف آخر من القتلة اسمه شحادة من نفس الملة والعلة . وكان من أبرز زبانية
تلك المرحلة شرطي من الطائفة ذاتها اسمه سمير كوشري . وكنا نسمية
"حيّو" لأنه كان لا يكف عن إطلاق هذه الكلمة كلما انتشى بتعذيب واحد
منا !
وبعد فيصل كحيلة تولى مسؤولية
إدارة الإنضباط الرقيب أول محمد الخازم الذي استمر في هذه المهمة حتى عزل مع
المقدم فيصل الغانم عام 84 ضمن عمليات تصفية مراكز القوى وتسوية الحسابات بين
الرئيس حافظ الأسد وأخيه رفعت كما بلغنا ، إثر معافاة الأول من مرضته الشهيرة
حينذاك . وقتها آلت مسؤولية السجن إلى النقيب بركات العش بشكل مؤقت . ثم
لم يلبث أن استلم هذا الموقع المقدم غازي الجهني ، وهو علوي من قرية المخرّم
بمحافظة حمص . فاختار الرقيب محمد نعمة ليكون مسؤول الإنضباط في السجن ،
وهو علوي مثله من جب الجراح بمحافظة حمص أيضاً . واستمر العش نائباً للجهني
إلى أن انتقل عام 1987 إلى سجن صيدنايا وأصبح مديراً له .
رقابة صارمة
ولقد كان اختيار هؤلاء
الزبانية انتقائياً واضحاً ، تجسيداً لهيكلية النظام الحاكم ذاتها القائمة
على منهجية الفرز الطائفي البغيض وتمكين الأقلية الموتورة من حكم الأغلبية
المغلوبة على أمرها . فالعلويون هم أصحاب الهيمنة الأكبر والعدد الأكثر
المسيطر على مختلف مواقع المسؤولية والمراتب التي تدير السجن . وثمة عناصر
معدودة فاسدة الضمير من أقليات أخرى طائفية أو عرقية تمارس دور المخلب الذي تتحكم فيه
قبضة الطائفة العلوية وتسخره لخدمتها . علاوة على بعض من أبناء الأكثرية
السنية ممن يقضون فترة خدمتهم الإلزامية في هذا الموقع . ويعيش هؤلاء وكل
المجموعات الأخرى تحت رقابة صارمة دائمة . ومثلما لا يسمح لهم أن يتحدثوا مع
السجناء أبداً أو يسألوهم عن أسمائهم حتى لا يتعرف أحدهم على الآخر فيعرفه بالصدفة
فيعطف عليه أو يتساهل معه . كذلك فإن أشد العقوبات مصير من يضبط في حالة
كهذه . ولقد بلغنا أن رقيباً من حمص من آل السباعي كان يخدم جنديته الإلزامية
في هذا الموقع قبل حضورنا أبدى بعض التسامح مع المعتقلين وتساهل معهم في أمور لا
تذكر في هذا الجو المرعب . فلما تكرر ذلك منه تم ضبطه ومحاكمته ، وأعدم
المسكين وعلقت صورته كما سمعنا في غرفة الذاتية ليتعظ بها العناصر والعسكريون
الآخرون !
خصومات !
وكان من آثار أحداث حماة
أيضاً أن حضرت مجموعات جديدة من السجناء من أهل المدينة . ومن هؤلاء بلغتنا
أهوال ما حدث .. وتعرفنا على إخوة جدد صار بعضهم من أعز الناس إلى
القلب . ومن هؤلاء لا أزال أذكر الأخ سحبان بركات الذي كان قد اعتقل حقيقة
الأمر عام 81 ثم أحضر إلينا بعد الأحداث . ولقد جرى إعدامه فيما بعد رحمه
الله . وكان معه ابن عمه صبحي بركات الذي كان طالباً في كلية الطب بجامعة
دمشق ، وهو من الطلاب الأذكياء جداً .
كذلك أذكر ممن حضر وقتها أحمد
دعدع من حماة الذي أعدم بعد سنة أو سنتين . وغالب هؤلاء الذي أحضروهم اعتقلوا
من بيوتهم أو جامعاتهم ولم تكن لهم كلهم صلة مباشرة بالأحداث . ومع هؤلاء
حضرت نوعيات أخرى من المعتقلين من عامة الناس الذين انفعلوا بالأحداث واندفعوا
للمشاركة فيها من غير تربية مسبقة أو انضباط كامل . ففاجأتهم المحنة من غير
أن يستعدوا لها ، وكان بعضهم في بداية الأمر سبباً لنشوء المشاكل والخصومات
في المهجع ، لكننا استطعنا استيعاب أكثرهم ولله الحمد ، وتمكنا من عبور
تلك المرحلة . فتحسن خلقهم ، وأخذ أكثرهم في الإنضمام إلى إخوانهم
والإندماج ببرامج المهجع من حفظ للقرآن ومداومة على الأذكار والعبادات .
فرز الأحداث !
ويبدو أن إدارة السجن لم تكن
لتغفل عن هذا أو كأنها كانت تتوقع حدوثه ، ولذلك لم تلبث أن قامت بعملية فرز
للسجناء صغار السن أو الأحداث كما يسمون ، فخصصت لهم مهجعا 31 و 34 بالباحة
السادسة . ثم لما فتحوا الباحة السابعة فيما بعد نقلوهم إلى هناك ووزعوهم على
المهاجع 35 ، 36 ، 37 فيها ، لعزلهم عن إخوانهم الأكبر سناً فلا
يتأثروا بأفكارهم أو يتقووا بوجودهم معهم .
جرعة لبن !
مضت قرابة سبعة أشهر لم نعد
نسمع فيها عن تنفيذ أحكام إعدام حتى ظننا أن الأمر انتهى ولم يعد هناك
المزيد . ورغم أننا لم نجد لذلك تفسيراً إلا أن مشاعرنا مع مرور الأسابيع
والشهور جعلتنا نعتقد في أنفسنا توهماً وتأميلاً بأن الإعدامات انتهت ، وأن
الفترة السوداء من سجننا قد ولت .
غير أن الأمل سرعان ما تبخر
كالسراب ، وتكسرت أجنحة الحلم حينما فوجئنا ذات صباح بالمشانق تنصب من بعد
الفجر بقليل ، وبالشرطة يجوبون المهاجع ويسألون عن أسماء بعينها . ولم
تلبث أصوات التكبيرات أن علت من جديد .. فأسقط بأيدينا .. وانهارت
آمالنا الواهية .. وعدنا يلفنا الوجوم والترقب . حتى إذا فتح الشرطي باب
المهجع 26 علينا انتفضنا كلنا وقد بلغت القلوب الحناجر واحتبست أنفاسنا ..
وكل منا يتوقع أن يتلو الشرطي اسمه ويناديه للردى . لكن جلادنا لم يناد إلا
اسم أخ واحد من بلدة سراقب اسمه عبد الحكيم العمر كما أعتقد . كان مدرس لغة
عربية وملازماً مكلفاً حين اعتقل . وكان صاحب فضل علينا في المهجع بدماثة
خلقه وحسن معشره ، وبحلقات البلاغة والنحو التي واظبنا عليها حتى تعلمنا منه
الكثير . وقال له أن يضب أغراضه لأنه سينقل إلى مدرسة المدفعية بحلب حيث كان
يقضي خدمته الإلزامية . ورغم استغرابنا من هذا الأسلوب الجديد إلا أننا قدرنا
أنهم إنما أخروا إعدامه لأنه عسكري وحسب ، وأن دوره الآن قد دنا .
وأدرك عبد الحكيم أنها
منيته ، وجعل رحمه الله يطوف علينا ويتفرس في وجه كل منا ويردد آخر كلمات له
في هذه الدنيا سمعناها :
سامحوني يا شباب ..
واللقاء إن شاء الله في الجنة .
فلما وصل بتطوافه إلى مجموعة
من أهل بلده كانوا شركاء في مجموعة الطعام في المهجع أوصاهم بأهله وأولاده .
لكننا فوجئنا به وعيوننا تتابعه وقلوبنا تطوف معه يستدير نحوهم فجأة ويطلب بعض اللبن
كانوا قد وفروه لفطورهم عند المغرب ليأكل منه . وكانت آية والله رأينا فيها
مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : "نفث في روعي الأمين
أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها" .
ووالله الذي لا إله إلا هو
أخذ عبد الحكيم صحن اللبن وأكل منه . واتجه بعدها إلى الباب ونحن لا نصدق أنه
مفارقنا ، ومضى إلى الإعدام ونفسه رحمه الله تفيض بالرضا والإطمئنان ،
وكأنه ذاهب لملاقاة أحب الناس إليه !
لا خضوع !
وفي مهجع السل 23 بالباحة
الرابعة حيث كان قد اجتمع على إخواننا هناك كَرْبُ السجن وكَرْبُ المرض أخرج الشرطة
يومها أخاً مسلولاً من حلب اسمه يوسف عبارة للإعدام . وقتها لم أكن قد انضممت
للمسلولين بعد ، لكنني سمعت القصة عندما صرت واحداً منهم بعد حين . فلقد
نادوا الأخ رحمه الله إلى لقاء ربه قبيل صلاة الفجر . فهرع وصلى مع الإخوة
الفريضة ثم ودعهم ومضى إلى منيته مقبلاً على الله . وكان من نزلاء المهجع
نفسه أخ شاعر موهوب تفجرت مشاعره عندما أبصر الإخوة يساقون رتلاً طويلاً إلى
المشانق ، وانسابت مع دموعه ودموع إخوانه قصيدة رقيقة له حفظناها جميعاً
وأخذنا ننشدها منذ ذاك يقول فيها :
وسار موكب الجناز في الصباح
مخلفاً وراءه الجراح
وراسماً مسيرة الكفاح
فلا حياة دونما سلاح
من قبلها نادى المنادي هاتفاً
مجلجلاً
حي على الفلاح .. حي على
الفلاح .
. . .
وسار موكب الشباب في خشوع
لم يعرفوا لغير ربهم خضوع
عيونهم تضيىء كالشموع
تقول للأجيال لا خضوع
من قبلها نادى المنادي هاتفاً
مجلجلاً
حي على الفلاح .. حي على
الفلاح .
وداع الأشقاء
وتتابع نصب المشانق وتكرر
مشهد الزهرات تساق إلى حتفها على أيدي الزبانية الطغاة . وكان من أشد المشاهد
إيلاماً كما بلغني يوم أن سمع أخ من بيت العابدي من دمشق اسم أبيه يطلب للإعدام من
مهجع مجاور . ورآه يساق أمام عينيه من خلال ثقوب الباب فتزهق روحه على حبل
المشنقة . وكان الولد قد اعتقل مع أبيه وهو ابن خمسة عشر عاماً في مرحلة
دراسته الإعدادية !
ولم يكن أقل إيلاماً يوم أن
طلبوا فيما بعد اثنين من الشباب المعتقلين معنا للإعدام هما طريف حداد وملهم
الأتاسي وكلاهما من حمص . وكان معهما في نفس المهجع شقيقاهما بشار حداد ومطاع
أتاسي . وعندما تقدم بشار ليودع أخاه طريف ثابت الجنان قال له : اثبت
واصبر .. واللقاء في الجنة . والحمد لله أن رزقك الشهادة . ولا
تنسانا من الشفاعة .
كذلك خرج من بيننا أخ آخر
للقاء الله في تلك الأيام العصيبة هو عبد الغني دباغ من حمص . ثم لم نلبث أن
سمعنا بأن أخوين اثنين له في مهجع آخر أعدما بعد مدة وجيزة من الزمان .
تبجحات !
وانتهت أحداث حماة ..
وانتهى عام 1982 الذي شهدنا فيه أقسى الظروف وأسوأ المعاملات . وبدأت ذيول
تلك المحنة تنجلي شيئاً فشيئاً . ولم نلبث مع مرور الأيام أن وجدنا أنفسنا
نتدرج نحو مرحلة جديدة مغايرة من المعاناة .
كانت البدايات حينما أخذ
يتناهى إلى أسماعنا أن مدير السجن العقيد فيصل الغانم يقوم بزيارات تفقدية للمهاجع
يزجر فيها السجناء ويهددهم مرة .. ويستفسر منهم عن احتياجاتهم ويسألهم عن
أحوالهم مرة أخرى ويعدهم خيراً . وبلغنا ضمن هذا السياق أن أحد الإخوة تجرأ
ذات مرة وسأله عن سبب منع المعتقلين من الصلاة ، فأجابه الغانم بكل تبجح أن
إدارة السجن ليست ضد الصلاة ولا ضد التدين ، ولكن الأرض في المهاجع نجسة ولا
تصح عليها الصلاة ! وزاد الراوي أن الشرطة عادوا بعد زيارة الغانم تلك
فأوسعوا السائل ضرباً جعله يحرم وكل من بلغه الخبر السؤال والأخذ والرد مع هؤلاء
إلى آخر العمر !
وتسارعت الأمور .. وبدأت
المستجدات الغريبة تفاجؤنا مرحلة بعد مرحلة .. فلا نكاد نستوعب للأولى سبباً
حتى يَجِدَّ على الساحة جديد . ونحن في ذلك كله لا نبصر إلا عشر معشار ما
يدور ، ولا ندرك إلا الجزء الضئيل مما يدور أمام أعيننا .
وكانت البداية الظاهرة لنا
حينما خرجنا ذات يوم من أيام سنة 1983 إلى التنفس كالعادة وجعلنا نسير في خطنا
كالمعتاد ، فوجدنا الشرطة يستدعون واحداً من سجناء مهجعنا اسمه خالد عوض
السالم ، واقتادوه مغمض العينين إلى مساعد السجن الجديد محمد الخازم الذي خلف
فيصل كحيلة وقتها فكان شر خلف لشر سلف ! ومن غير أن يفتح خالد هذا عينيه سمع
المساعد يأمره أن يرفع رأسه ففعل . فسأله عن اسمه فأجاب . فاكتفى بأن
صفعه على وجهه وأمره بالعودة . وعندما بلغنا ما حدث وجدناه تصرفاً طبيعياً
طالما تكرر ما هو أسوأ منه بلا أي مبرر . لكن الرقيب جهاد ما لبث وأن عاد إلى
المهجع مع عدد من أعوانه وطلبوا أبا عوض معهم . وعندما عاد بعد ساعة من زمن
وجدناه غير الشخص الذي عرفنا .
أبو عوض !
كان خالد عوض السالم سجيناً
من صوران مات شقيقه - كما ذكرت - على صدره بسبب السل قبل أقل من عام ولفظ أنفاسه
بيننا وهو يذكر الله ويشهد له بالوحدانية . ورغم أن الأخوين اعتقلا بتهمة
تجارة السلاح إلا أن الفارق بينهما كان كالفارق بين السماء والأرض . فخالد
هذا كان معروفاً حتى من قبل اعتقاله بسوء الخلق وفساد الذمة . ولأنه كان فوق
ذلك صاحب جسم ضخم وعضلات مفتولة فقد جعلوا خدمته الإلزامية قبل سنوات خلت في
الوحدات الخاصة أو الشرطة العسكرية .
كانت أول مفاجأة في عودة أبي
عوض أنه ذهب سجيناً وعاد بقدرة قادر رئيساً للمهجع ! وأمر الشرطة أبا الفضل
الذي حافظ على مسؤوليته طوال هذه المدة أن يتنحى ويسلم رئاسة المهجع لخالد .
ولم يكن على أبي الفضل إلا الإنصياع بالطبع . ووجدنا أبا عوض يتبدل بين ليلة
وضحاها . وبدأت شخصيته المتنفذة تطفو على السطح الآن .. وتتبدى عنجهيته
بسبب ومن غير سبب .
وصار لأبي عوض - وهو الذي
طالما ضاعف الشرطة عليه القتل والتعذيب أثناء الحلاقة والتنفسات بسبب ومن غير سبب
- استثناء خاص من الحلاقة .. فطال شعره من دون كل الألوف من هؤلاء السجناء
جميعاً ، وأرخى شاربيه فكأنه واحد من الشرطة لا فرق ! ولم تلبث الأسرار
أن تسربت من المقربين إلى أبي عوض إلينا ، فحدثهم كيف أنه كان سجيناً ذات يوم
في سجن تدمر هذا أيام خدمته الإلزامية جزاء على مخالفة عسكرية فعلها . وكان
محمد الخازم رقيباً في نفس السجن وقتها .. فقامت بينهما علاقة ومعرفة .
واتفقا على أن ينشئا تجارة لصالحهما بين السجناء ، يقوم محمد الخازم بتأمين
مادتها ، ويتولى خالد ترويجها بين زملائه في المهاجع بأسعار مضاعفة مستغلاً
حاجتهم لمثل تلك المواد . فلما شاهد الخازم أبا عوض الآن وجده الرجل الأمثل
ليحقق به مطالب السيد الكبير مدير السجن الذي أوعز إليه كما تبدى ترويج نفس
التجارة بين السجناء البؤساء في تدمر .
ورغم أن ذكرى أخيه لم تكن قد
خفتت بعد .. وعلى الرغم من الإهتمام البالغ الذي أولاه الإخوة بخالد نفسه في
أشد أيام المحنة مراعاة لوضعه وترقيقاً لقلبه ، حتى أنهم كانوا يؤثرونه
بطعامهم لضخامة جسمه ويوفرون له من فتات الطعام الذي يصلهم حصة مضاعفة له وحده .
ويتقدمونه في التنفس والحلاقة معرضين أنفسهم لسياط الزبانية وعصيهم حماية له
وإخفاء من الشرطة الذين علّموه وقتها بجسمه الضخم فأدمنوا مضاعفة العذاب
عليه . برغم ذلك كله فإن أبا عوض لم يحفظ للإخوة ذاك . فها هو ذا يريد
أن يتسلط عليهم ويتحكم فيهم وكأنه لم يعد سجيناً وبات هو السجان ! وجعل في
سبيل تحقيق غايته يؤلب الناس على بعضهم ويوظف بيننا من ضعاف النفوس جواسيس ينقلون
إليه ما الذي يدور بين الحلقات وبماذا يتحدث المساجين عنه . وكان يريد أن
يعرف كل صغيرة وكبيرة لينقلها إلى شريكه وسيده الجديد . وصار يسطو على طعام
الآخرين ويأخذ ما شاء من الوجبات نوعاً وكماً .. ولم يتورع حتى عن استخدام
يديه مع بعض الإخوة والإعتداء عليهم بالضرب تماماً كما يفعل بقية السجانين !
ولا أزال أذكر أن أحد ضحاياه كان الأخ محمد صنوبر حافظ كتاب الله الذي نال منه
قتلة ذات مرة لم تقل عن أي من تلك التي يذيقنا إياها جلادونا قساة القلوب
ذاتهم !
مهجع المدعومين !
وأخذت الأمور تتطور بالتدريج
من حولنا ، فلم نلبث أن تبلغنا في شهر آذار 1983 بتغيّر النظام العام
للسجن ، وأنه بات مسموحاً لنا الآن أن نفتح أعيننا ونرفع رؤوسنا أمام الشرطة
العسكرية بشكل طبيعي . وبدأنا نلحظ تغيراً نسبياً في تعامل الشرطة وإدارة
السجن مع مهجعنا في ظل ولاية أبي عوض عليه . فخفت الضغوط بعض الشيء
عنا ، وأوكلت مهام الأمر والنهي داخل المهجع إلى أبي عوض أغلب الأحيان .
ولم يعد الشرطة يكثرون من الدخول علينا أو التنكيل بنا . فيما تتالت لقاءات
أبي عوض مع محمد الخازم الذي كان يستدعيه إلى الذاتية بين حين وآخر ، فإذا
عاد وسئل عما جرى لم يجب إلا بالقشور .
وأخذنا نسمع عن زيارات تتم
لبعض السجناء يحضر أهلهم لمشاهدتهم فيحضرون لهم كميات من الهدايا والأموال غير
قليلة . وكان ذلك لا يتم إلا للموسرين بالطبع . وبعد واسطات ورشاو فاحشة
عرفنا بها من بعد . وفوجئنا من ثم بهؤلاء السجناء يتواردون على مهجعنا واحداً
بعد الآخر ومجموعة إثر مجموعة . حتى بتنا نسمي مهجعنا ذاك مهجع
المدعومين !
ومع هذه التطورات عاد الطبيب
يجول على المهاجع ويقدم بعض العلاجات الأساسية للسجناء ، وتم تعيين مسؤول صحي
من السجناء في كل مهجع ، تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية للسجناء
إلى الطبيب حتى لا يضطر الطبيب نفسه إلى فحص المرضى والتعرض لاحتمالات الإصابة
بالعدوى منهم !
أخوة بالإكراه !
وفي يوم من أيام شهر حزيران
عام 1983 فوجئنا بالشرطة يخرجوننا إلى الباحة ويخرجون معنا سجناء المهاجع الأخرى
في باحتنا .. وإذ بمدير السجن المقدم فيصل الغانم الذي كان أحد المشرفين على
مجزرة تدمر الكبرى عام 1980 يقف فينا خطيباً لأول مرة ويكلمنا بلهجة ما اعتدنا أن
نسمعها قط كل هذه الأيام التي خلت .
ولأكثر من أربعين دقيقة جعل
يحدثنا أننا فعلنا كذا وكذا ، وأخطأنا بحق الوطن ، ولكننا برغم ذلك نظل
إخوة ! ووسط إيعاز الشرطة لنا بين كل جملة من كلامه والجملة الأخرى بالتصفيق
تساءل الغانم عن الفرق بين العلوي والسني .. وأضاف فقال بملء فيه : أنا
خَيّكُم ( أي أخوكم ) غصباً عنكم .
وبين الإستغراب المطلق
والتحفظ المطبق من جانبنا أكمل الغانم محاضرته بالحديث عن اسرائيل التي قامت
بمجزرة صبرا وشاتيلا . وقتلت من الأبرياء كذا وكذا . وأن سوريا هي
الدولة العربية الوحيدة التي تقف بوجه إسرائيل وأمريكا ! واتجه بالحديث نحونا
مرة أخرى فقال : أما أنتم فقد غرر بكم لتقوموا بأعمال ليست في صالح البلد ،
غير أن الإبن إذا أخطأ في حق أسرته فإنها تعاقبه ولكنها لا تتخلى عنه ..
ولذلك فأنتم الآن تقضون فترة عقاب ، لكنكم ستخرجون بعدها وتحل الأمور .
وانتهت المحاضرة كما بدأت
حافلة بالغموض والغرابة . وأخذت التساؤلات والتحليلات والتكهنات
تتوالى . لكن شعوراً واحداً غمرنا جميعاً يوحي بأن ثمة تطورات جديدة في
الأفق . ولم تلبث الأمور أن أخذت تتسارع لتتكشف على حقيقتها بعد حين .
كذلك طرأ على حال السجن تغيير
جدير بالتسجيل وقتها . فلأول مرة وبعد هذا الصمت المطبق طوال الأعوام السابقة
فوجئنا بالميكروفونات تنقل لنا بث إذاعة دمشق على الهواء مباشرة 12 ساعة في
اليوم . فكانت لنا نافذة نتابع من خلالها أخبار العالم خارج الأسوار ،
ومنفساً نخرج منه عن اعتيادية حياتنا القهرية بعض الشيء . وبالطبع فلم يكن
مسموحاً لنا من قبل ولا من بعد أن ندخل جهاز راديو إلى مهاجعنا ولا أن نستخدم
الورق والأقلام أو الكتب .. وأما المصاحف فكانت كما ذكرت واستمرت إحدى أكبر
الممنوعات !
ذيل الثعبان !
غير أن هذه التطورات كلها
كانت تخفي وراء وجهها المليح مؤامرة خسيسة .. كان المقدم فيصل الغانم رأسها
المدبر وعرابها الخبيث . وكان أبو عوض من جانبنا أداتها القذرة وذيل الثعبان
الذي يتحرك لمصلحة الرأس الخبيث بكل خسة ولؤم . ولم تمض مدة من الزمن حتى
تبين لنا كيف أن الغانم هذا قد نظم خارج أسوار السجن شبكة من مصاصي الدماء ترأستها
أمه نفسها التي كانت تتولى تنظيم زيارات لنخبة من أهالي المعتقلين الموسرين
للإجتماع بأبنائهم في سجن تدمر مقابل مبالغ طائلة من المال . لكن ذلك لم يكن
يشبع جشع الرجل ، وكان ينظر إلى الأموال التي يأتي الأهالي بها لأبنائهم
المعتقلين عساها تدفع عنهم بعض الشر أو المعاناة .. فيراها غنائم مغرية يسيل
لها لعابه . ولذلك وحتى يضمن الغنيمة كلها أنشأ شبكة ثانية من العملاء
والأجراء داخل السجن مهمتها امتصاص تلك الأموال بطريقة أخرى . كان أبو عوض
مخلبها القذر بيننا .. فعرف عن طريقه احتياجاتنا ورغباتنا وحالتنا ..
وفي سبيل ذلك كانت خطبته العصماء تلك ، وكانت سلسلة القرارات الإستثنائية
التي أحاطت بها .
وهكذا اتجهت الحال بعمومها
نحو تغير نسبي . فبات التعذيب نوعياً بدل أن يصيبنا في كل غدوة وروحة .
وصار الشرطة يسمحون لنا بالخروج إلى التنفس مفتوحي الأعين نتنعم بالشمس من غير ضرب
كثير ولا تعذيب . ثم لا يلبثوا وأن يقوموا بين كل أسبوع وآخر بتعويض السجن
كله بحفل شديد مفاجىء من التعذيب ، بحيث يبقى الكل منضبطين يحسبون للحفل
القادم ألف حساب . وأما المحاكمات والإعدامات فلم تتأثر بكل هذا الذي
يجري ، وظل شبح الموت مخيماً علينا يتخطف الزهرات من بيننا ويطبق على أعناق
الشباب الغر ونحن لا نملك في رد ذلك حولاً ولا قوة .
آخر الأنفاس !
وفي ليلة من تلك الليالي كنت
أنام بجانب الأخ مأمون الذهبي . وكان المسكين قد أصيب بالمرض فتدهورت صحته
بشكل متسارع ومريع . حتى بات وهو الذي كان لاعب كراتيه مفتول العضلات قوي
البنية لا يقدر على مغادرة فراشه . ليلتها وفي ساعة متأخرة نام كل من في
المهجع ونمت معهم ، مد مأمون يده الواهنة نحوي وجعل يهزني حتى استيقظت .
فلما سألته ما به قال لي رحمه الله :
صدري يؤلمني .. اقرأ لي
عليه .
فوضعت راحتي على صدره وجعلت
أقرأ من الآيات والأدعية المأثورة . حتى إذا سكن وخلته نام عدت إلى النوم من
جديد . فلما دنا الصباح صاح فينا أبو عوض كعادته :
الكل استيقاظ .
فقمنا كلنا وبقي مأمون في
مكانه تغطي وجهه البطانية ولا يتحرك . فناداني أبو عوض لأوقظه ، فناديته
فلم يرد . قال أبو عوض على مشهد من الجميع:
اخبطه برجلك ليفيق .
فكشفت عن وجهه وناديته
لينهض . فلما حدقت وجدته قد فارق الحياة . قلت وأنا أكاد أحس آخر أنفاسه
لا تزال تتسارع على راحتى :
هذا مات يا زلمه !
فلم يهتز لأبي عوض
شعرة ، ولم يزد عن أن مضى ليخبر الشرطة بحالة وفاة جديدة في مهجعه .
وهرعت أنا فسحبت مأمون بمساعدة الإخوة فأدخلناه الحمام وغسلناه . ولم يلبث
"البلدية" أن حضروا فأخذوه ومضوا .
مملكة الوهم !
ونمت مملكة أبي عوض
الواهية .. فخصصت له إدارة السجن مكاناً يديره كمتجر أو دكان بقالة كان يبيع
فيه السجناء الشاي والخضار والفاكهة والإحتياجات الرئيسية التي كانوا محرومين من
معظمها ويقبض على ذلك أفحش الأثمان ! وفي نفس الوقت كان فيصل الغانم يترصد
الزوار فيخضعهم كالعادة للتفتيش . فإذا أرادوا أن يعطوا أبناءهم مبلغاً من
المال كان له نصيب مباشر فيه . وإذا أحضروا لهم ملابس أو حاجيات أجاز دخول
بعضها وصادر بعضها الآخر بحجة أو بأخرى . فيحمل أبو عوض الأشياء التي صودرت
ويدور بها على المهاجع ويبيعها للمساجين أيضاً . وهكذا تصب كل الأموال التي
أحضرها الزوار المساكين في جيب مدير السجن وشركاه . ولم تكن بيدنا حيلة لوقف
هذا الإستغلال المكشوف . وكنا نشتري أغراضنا المسروقة من غير تردد . ففي
حالنا البئيس ذاك كنا بحاجة لأي لقمة طعام نتقوى بها أو قطعة ملابس تقينا الحاجة
والبرد وتخفف عنا ولو بعض تلك المعاناة .
وهكذا اغتنمنا جشع أبي عوض
وحالة الرخاء الظاهر تلك ، فأقبلنا ابتداء على توثيق علاقاتنا داخل المهجع
أكثر وقد أمنا مداهمات الشرطة من فوق الشراقة إلى حد ما . وصرنا نتعرف على
أحوال بعضنا البعض ، ونتبادل الحكايا والخبرات والمعلومات . ونضاعف
همتنا لحفظ سور القرآن الكريم وآياته . وفي هذا السياق صرنا نُخَرِّج حفظة
كتاب الله مجموعة إثر مجموعة ، ونعد لذلك حفلاً كبيراً نوفر له من الطعام أو
الحلوى التي تصلنا من الزيارات أو من مخصصاتنا اليومية طوال أسبوع أو اثنين .
فينال أبو عوض حصة الأسد منه ليسكت عنا ويأذن لنا ، ونوزع البقية علينا
احتفالاً بالإخوة الحفظة وتكريماً لهم .
سماح !
كذلك استفدنا من ظرفنا
الإستثنائي ذاك فصرنا نشتري من بضائع أبي عوض المسروقة أشياء ما ونرسلها مع رسالة
مختصرة إلى إخوة أعزاء في مهاجع أخرى . وكنا نتلقى بنفس الأسلوب ردودهم
وهداياهم . وعن هذا الطريق صار الإخوة يتأكدون من وجود فلان أو إعدامه .
وعن نفس الطريق وصلني إلى مهجع السل أواخر عام 1983 إبريق شاي من أبي الفضل الذي
انتقل إلى مهجع آخر بعد مدة يلمح لي به أنه حكم بالإعدام . وكان قد كتب لي
على الإبريق يقول : إلى محمد سليم .. محمد جمال سماح . فعلمت أنه يطلب
المسامحة لأنه راحل عما قريب . وبالفعل فلم تمض بضعة أسابيع حتى بلغنا أنه
أعدم رحمه الله .
وفي المقابل كان أبو عوض
ينتفخ وينتشي بالوهم وبعض سقط المتاع . ولقد سمعنا أنه طلب من المساعد أن
يسمح لأهله بزيارته مرة فسمح لهم . وتردد أنه هرّب مع أخيه الذي زاره نقوداً
من تلك التي جمعها من تجارة الحرام التي امتهنها ، لكن علم ذلك عند
الله . وأما ما علمناه نحن ورأيناه فكان آية من آيات الله بالفعل . فلم
تمض على هذه المظالم مدة من زمن حتى رأينا الدائرة تدور على أبي عوض ، وينتقم
الله من أفعاله الشنيعة شر انتقام . وسيأتي الحديث عن ذلك لاحقاً بإذن
الله .
الحزبية الإقليمية !
لم تكن حياتنا في السجن
ملائكية أو مثالية . فبينما كنا أيام الشدة نزداد قرباً إلى الله وتجرداً
وتلاحماً كنا إذا طال علينا العهد نرتد إلى أصولنا وخلفياتنا ومشاربنا
الشتى . وبعد أن مضت هذي السنون علينا يضمنا مهجع موحش باطنه عذاب وظاهره أشد
وأنكى . ومع اختلاط الإنتماءات وتعدد المشارب بدأت تظهر بيننا في فترة
الإنفراج النسبي تلك اختلافاتنا المذهبية والتنظيمية والإقليمية معاً !
ولقد ظهر ذلك أول ما ظهر
حينما استطعنا أن ننظم بعض الدروس الهادئة إذا سنحت الظروف وأمنا الحرس من فوقنا
ومن حولنا . فوجدنا الإخوة لم يلبثوا أن أخذوا يتكتلون فرقاً وجماعات تتجادل
في البداية حول قضايا المذهبية واللامذهبية .. والإتباع والإبتداع ..
وما يندرج تحت هذا الباب من جدل أنهك الأمة قروناً ولم ينته لصالح أحد ! حتى
أن الإخوة صاروا يختلفون على الأذان الذي يبلغنا من وراء أسوار السجن قادماً من
منارة مسجد مدينة تدمر . وكان وجه الخلاف حول مشروعية الصلاة على النبي عليه
الصلاة والسلام جهراً في خاتمة الأذان !
وسرعان ما أخذ الخلاف الذي
استشرى مأخذ الحزبية التنظيمية . وطفت على السطح اختلافات تنظيم الإخوان
التاريخية بين دمشق وحلب . أو بين جماعة الأستاذ عصام العطار وجماعة الشيخ
عبد الفتاح أبو غدة . واستطاع الإخوة الحلبيون وفق ما رأيت أن يجرّوا الدمشقيين
من دائرة الإختلاف التنظيمي إلى دوامة الخلاف المذهبي . وأشاعوا بيننا أن
الدمشقيين سلفيون لا مذهبيين . وانعكست هذه الصراعات المقيتة على السجناء
كلهم فآذتهم وأرقتهم . وآذت أكثر ما آذت الحياديين وغير المنظمين
أصلاً . ورأى هؤلاء في هذا الخلاف أسوأ صورة للجماعات والتنظيمات الإسلامية
كلها . ورأيتنا نعود بجدليات الطرفين المتعصبين إلى القرون الوسطى ونتفرق في
قضايا لا يبنى عليها عمل أساساً .
وتطور الأمر بسرعة .. أو
فقل ارتد الناس إلى خلفياتهم وتشوهاتهم التي أتوا منها ! فبعد أن انتقل
الخلاف من الفكر والمذهبية إلى الحزبية التنظيمية انتهى الأمر بسقوط الأطراف
جميعاً في وحل الإقليمية الضيقة ! فتكتل السلفيون الموالون للأستاذ عصام في
تكتل دمشقي . وأخذ المذهبيون الحلبيون الموالون للشيخ عبد الفتاح طرفهم
الإقليمي . واستغل الحمويون التابعون للأستاذ عدنان سعد الدين القضية ليجمعوا
الحمويين في كتلة ثالثة ! وانعكس ذلك على المهجع أسوأ انعكاس . وتفرقت
القلوب شتى . وانعزلت كل كتلة في دائرة مغلقة تجاور الدائرة الأخرى والثالثة
ولا تتداخل معها .. رغم أن المحنة لم تكن تفرق بين أي من هذه الكتل
وأصحابها .
ولم تلبث أن تعقدت الأمور أكثر حينما نشأ تيار تكفيري فيما بعد نتيجة هذه الضغوط وتلك الفتن معاً ، فازداد الطين بلة .. واشتد التعصب والتعنت .. وامتدت أحكام التكفير لا لتشمل النظام وأركانه وأعوانه وحسب ، بل كل من لم يلتزم بالفكر التكفيري وقيادته ومنهجه !