Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الإعدام

واستيقظنا في يوم من تلك الأيام ننتظر أن نبدأ البرنامج الذي اعتدنا عليه وتأقلمنا معه إلى حد كبير .. وبدأنا نضب بطانياتنا ونجمع العوازل من تحتها حين نادى علينا الشرطة من شراقة الباب فجأة وبشكل إيعاز :

الكل ضبوا لجوة ولا .

فسارعنا ونفذنا الأمر وتجمعنا كلنا في أقصى المهجع نستعيذ بالله من شر ما خلق ! وإن هي إلا برهة حتى بلغتنا من الباحة أصوات وضجيج غير مألوف .. وأحسسنا وكأنما هناك حمولة من الخشب ترمى على الأرض .. والنوافذ عالية لانستطيع أن نطل منها .. وبيننا وبين الباب مسافة لم نجرؤ أن نغادر زاويتنا ونسترق النظر من شقوق فيه خشية أن يرانا الشرطة من الشراقة فوق المهجع فيعاقبونا بما نحن في غنى عنه .

لكن الجلبة استمرت .. وتتابع صوت ارتطام الخشب بأرض الباحة الإسمنتية .. ورأينا ظلال الشرطة على جدران المهجع تعبر من النوافذ العليا كالأشباح .. فشعرنا بقلق وانقباض .. وبدأنا نتوقع شر الإحتمالات .. ونحسب أنهم سيدخلون الآن ويطلقون علينا النار كلنا كما فعلوا قبل أقل من عام في نفس المكان . ولم يطل بنا الإنتظار كثيراً .. فما هي إلا برهة حتى سمعنا أصوات التكبير تتعالى .. وسجناء ينادون أسماءهم ويقولون أخوكم فلان يوحد الله . ومن بين هؤلاء لا أزال أذكر اسم الأخ محمد ناصر البيك من حمص ، الذي بلغتنا تكبيراته وعبارته الأخيرة يقول :

أخوكم محمد ناصر البيك يوحد الله .

فعرفه إخوة من مدينته في المهجع معنا . وأيقنا أنها عملية إعدامات تجري الآن . وأن مجموعة من السجناء يعلقون على المشانق بالفعل . فاحتبست أنفاسنا جميعاً .. واختنقت فينا العبرات .. وتجمدت على ألسنتنا العبارات .. ولم تنقض أكثر من عشر دقائق حتى خفتت الأصوات .. وسكنت الحركة .. وبدأت الأمور خارج المهجع تعود إلى طبيعتها بالتدريج .. لكن التفقد تأخر وألغي التنفس في ذلك اليوم .. وأحضر الشرطة الطعام من غير أن يشيروا إلى ذاك الذي حدث بشيء .

وأغلق الباب علينا بعد ذلك لتلفنا دوامة القلق والتساؤلات . فها نحن الآن أمام الموت وجهاً لوجه .. والإعدامات التي كنا نسمع عنها ونتخوف منها حدثت على بعد خطوات منا وحسب .. وإذا كان شهداء المجزرة الكبرى قبل عام قد قضوا نتيجة نزوة كما ظن البعض أو ثأر بعد محاولة اغتيال رأس النظام ، فإن ما نراه الآن ونسمعه يجعلنا نحس أن الأمر منظم في الحقيقة ومقرر ، وأن هناك برنامجاً لتصفية السجناء إذاً . ولم يعد مستبعداً بعد الآن أن نقف أنفسنا هذا الموقف وتلتف حبال المشنقة على أعناقنا نحن بعد حين !

تساؤلات .. وتأويلات 

وأخذت التساؤلات تغادر السرائر بالتدريج وترتسم على شفاهنا تباعاً ، فتنتقل من فرد إلى آخر ومن مجموعة إلى غيرها .. وترسم معها معالم مختلف الناس الذين ضمتهم المحنة وجمعهم هذا المكان الرعيب . ورغم أن الحادثة هزتنا جميعاً إلا أن أكثر من اهتز حقيقة كان أولئك الذين لم يكونوا أهل انتماء بالأصل ، وجرفتهم المصلحة أو الحماسة فشاركوا بعمل ما وألقي القبض عليهم واعتبروا في منزلة واحدة كالمنظمين والمسلحين .. ومن هؤلاء كان بضعة نفر من المهربين وتجار السلاح .. ممن لم يكونوا مهيئين نفسياً لا للمحنة ولا للإعدام والموت ! وانتشرت بناء على حال كل فئة تأويلات المتأولين وتحليلات المحللين .. فاجتمع رأي البعض على أن الإعدامات إنما تنفذ في المسلحين الذين شاركوا في عمليات حقيقية وأدينوا فيها .. وأما المنظمون من غيرهم فمثلهم كمثل تلاميذ المشايخ لا خطر منهم ولا تثريب عليهم ! وذهب نفر إلى أن المسلحين أنفسهم قسمان : قسم تسلح ولكنه لم يَقْتُل أو يقاتل .. وهؤلاء أقرب للفئة السابقة إذاً . وفئة أخرى قاتلت وقَتَلت وثبت عليها العمل العسكري .. وهؤلاء هم الذين تنفذ فيهم الإعدامات وحسب .

وأحدثت هذه التقسيمات خلخلة غير منتظرة في الصفوف .. وظهرت بسبب هذه التخمينات مشادات وأخذ ورد .. ونادى العقلاء بأن الأمور بيد المولى سبحانه والأعمار مقدرة في علمه الأزلي لا تنقص ولا تزيد .. وقال الإخوة الذين أدينوا بالعمل العسكري بأن الشهادة شرف لكل مسلم .. فإذا كانت قد دنت فمرحباً بها .. ولكننا هنا جميعاً في نظر النظام أعداء .. وهم لا يفرقون بيننا لا في عذاب ولا في إعدام .

وحل الشتاء !

ومضت الأيام وحل الشتاء .. شتاء الصحراء الذي لا يرحم .. ونحن في مهجعنا لا نملك إلا بطانياتنا البالية ذاتها ، والنوافذ والشراقات فوقنا مفتوحة على حالها ، ويا بؤس من بات ليلته تحتها .. ويا سوء حظ من تأفف من مطر السماء حتى ولو انصب عليه طوال الليل ! ولذلك وبسبب هذه البرودة والرطوبة وسوء التغذية تفشت بيننا أمراض الزكام والروماتيزم والتهابات المفاصل .. ثم لم يلبث أن ظهر السل فينا بعد أقل من عام .. أو أنه كان قد ظهر بالفعل ولكننا لم نكتشفه إلا وقد استشرى وعم !

وهكذا عدنا إلى برنامج المعاناة نفسه .. أسرى جدران المهجع 26 نتقلب بين عذاب وعذاب .. وتفقد وتنفس .. وحلاقة وحمام .. ولكننا كنا نغالب ذلك كله بحفظ كتاب الله وتلاوة آياته ما وسعنا الجهد . ولم يكن ذلك هيناً في هذا الجو العصيب ، لكننا ثابرنا بحمد الله وتابعنا . ولم يكن فقه السجون قد تبلور لدينا في تلك الفترة بعد ، فكان بعضنا يخاطر بالقيام للوضوء مع كل صلاة رغم أن التيمم كان مرخصاً لنا . وكان احتمال أن يكتشف الشرطة حركتنا في الليل خاصة معناه عذاب محقق في الصباح التالي ربما كلف المرء حياته ! كذلك كنا نغتسل من الجنابة بالماء البارد مع برودة الجو رغم أن التيمم كان وارداً أيضاً ، ونظن أنه لا حل لنا إلا بذاك . لكننا أخذنا من بعد نتتبع الرخص الشرعية ونخفف عن أنفسنا قدر المستطاع . ولم نعدم أن نجد بيننا من ظل يتشدد ويصر على الإغتسال وعلى الوضوء في كل مرة وعلى أداء الصلاة وقوفاً والمجاهرة بالصيام حينما منع في السنوات اللاحقة ، برغم المخاطر واحتمالات الأذى له وللآخرين .

محكمة !

وذات يوم .. وكان قد مضى على حادث الإعدام بضعة أسابيع دخل علينا الشرطة وسألوا عن أسماء بعينها ، ولم نكن قد عهدناهم ينادون أحداً باسمه من قبل . لكن أياً من هذه الأسماء لم يكن بيننا . وتكرر الأمر مرة بعد مرة .. فأحسسنا أن ثمة شيئاً مريباً يدور .. حتى كان صبيحة يوم جديد ، حينما دخل الحرس ونادوا مجموعة أسماء من مهجعنا هذه المرة وقادوهم معهم . وكانوا قرابة الخمسة عشر شخصاً كلهم من حمص .

ومضت حوالي خمس أو ست ساعات أحضر الشرطة خلالها الفطور والغداء معاً وأغلقوا الباب علينا من غير تفقد أو تنفس .. فلما عاد الإخوة وسألناهم أين كنتم قالوا في المحكمة . فتيقنا ساعتها أنها جد إذاً . وعلمنا منهم أن أحكاماً صدرت بالإعدام على أكثرهم . وسرعان ما وجدنا الإخوة المحكوم عليهم بالإعدام قد تغير حالهم .. وانصرفوا عن كل شؤون الدنيا انصرافاً تاماً .. وتوجهوا إلى الله سبحانه بكلياتهم يهيؤون أنفسهم للقاء رب العالمين حتى كأن أحدهم لم يكن من أهل هذه الدنيا أبداً . ولم ينقض شهران بعدها حتى طُلِبَ هؤلاء الإخوة للإعدام .. فكانت أول كوكبة من أهل الجنان إن شاء الله نودعهم من مهجعنا .. سائلين الله تعالى أن ينتقم لهم ويتقبلهم ويجعلهم في أعلى عليين .

مرحباً بلقاء الله 

دخل الشرطة صبيحة ذلك اليوم المرير وقرؤوا أسماء المطلوبين فيما كانت إجراءات نصب المشانق وتهيئة مراسم الإعدام تتم في الباحة أمام مهجعنا مباشرة . وكانت مفاجأة لنا أن عدداً ممن تليت أسماؤهم كانوا قد خرجوا إلى المحكمة وقتها ولم يبلغونهم كالآخرين أنهم حكموا بالإعدام . فلما سمع الإخوة أسماءهم وأيقنوا المصير تراكضوا إلى الحمام فتوضؤوا ومدوا شيئاً هناك وصلوا عليه تخفياً من الشرطة خشية علينا نحن لا على أنفسهم . وخرج الركب أكثر من عشرة كأنهم غير الذين عرفنا كل هذه الأيام .. مطمئني النفوس .. مشرقي القسمات .. مقبلين بكل جوارحهم على الله راضين بقضائه . واستطاع بعضنا أن يعانق عدداً منهم .. وخرج الآخرون حتى من غير كلمة وداع . لا زلت أذكر من أسماء تلك الدفعة الإخوة حسن الصغير ، وعبد الغني الدباغ ، وبسام كالو وكلهم من حمص . ولا زلت أذكر كأنه الساعة كيف أن الأخ بسام استيقظ صباح ذلك اليوم مبكراً وقال لإخوة حوله : رأيت اليوم مناماً . سألوه : خيراً إن شاء الله .. ماذا رأيت ؟ قال : رأيت قول الله تعالى في القرآن الكريم ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) . ولم يلبث أن نودي للإعدام رحمه الله بعد ساعة أو أقل ، فأحسسنا أن الله سبحانه حقق له منامه وتقبله وغفر له وأنزله الجنان إن شاء الله .

أرجوحة الشهداء

وأقفل الجلاوزة الباب .. وساقوا الإخوة أول الأمر إلى مهجع في أقصى الباحة يسمى "الورشة" . وعلمنا من بعد أن سليمان الخطيب يأتي بنفسه ليتأكد من الأسماء والأشخاص ويتلو عليهم ديباجة الحكم ، ويأتي معه أو يتبعه مدير السجن الذي كنا نحس بقدومه من صوت المساعد يقدمه بالازمة المعتادة قائلاً :

است.....رح .. استع......د . الباحة جاهزة للتفتيش سيدي اللواء أو سيدي العقيد .

وبعد هذا الإجراء يبدأ الشرطة بسوق الإخوة إلى المشانق تباعاً . وعندما بدأ ذلك هرعت من فوري إلى شق صغير في باب مهجعنا فرأيت المشانق منصوبة على امتداد الباحة .. والإخوة الآن وقد باتوا على حافة الردى يكبرون بأعلى صوتهم ويهللون .. ويساق أحدهم بعد الآخر مغمض العينين مكبل اليدين إلى المشنقة التي انتصبت على قوائمها الثلاث .. يتدلى منها حبل كحبال الغسيل البلاستيكية .. يخالف في هذه المواصفات وتلك الوضعية أبسط الشروط التي يفترض أن تتوفر في مشنقة الإعدام المخصصة للمجرمين ! ورغم ذلك يؤمر الأخ بالجثو أمام المشنقة دون أن يدري ماذا أمامه ، وعن جانبيه اثنان من "البلدية" ينتظران الإيعاز من الشرطي الذي يقف في مقابل الأخ . فإذا أشار إليهما تناولا حبل المشنقة فطوقا به رقبة السجين .. ثم تأخرا إلى الوراء فأمسكا بقائمة المشنقة . ولا يلبث الشرطي أن يصدر الإيعاز الأخير .. فيشد "البلدية" الخشبة .. وتنتصب المشنقة .. فيرتفع الأخ في الهواء بلمحة عين .. ويشهق شهقته الأخيرة وتزهق روحه خلال لحظات . فإذا بدت منه حركة تدل على احتمال استمرار الحياة فيه تقدم عنصرا "البلدية" ثانية فجذبا الأخ وتعلقا به حتى يشتد إطباق الحبل على رقبته إلى أبعد مدى .

ولا يلبث الطبيب يونس العلي أن يتقدم فيجس النبض ، ويتأكد من الوفاة .. فتعاد المشنقة إلى وضعها ، ويفك الحبل عن رقبة الشهيد .. ويرمي به القتلة جانباً بدم بارد ، فيما يعد الشرطة الأخ التالي للإعدام . حتى إذا اكتمل العدد ونفذت الجريمة وتكومت الجثث ، دخلت الساحة شاحنة عسكرية ، وتقدم "البلدية" فحملوا أجساد الإخوة واحداً بعد الآخر وقذفوهم فيها .. لتمضي إلى حيث لا يعرف بمصيرهم أحد إلا الله . وفي هذه الدفعة قدرت أن أكثر من خمسين أخاً قضوا نحبهم .. نحتسبهم في عداد الشهداء الأبرار إن شاء الله .

العزاء

غادر الإخوة إلى لقاء الله ، وبقينا نحن في كربتنا ووحشتنا تلفنا حالة من الكآبة خانقة ، والناس وكأن على رؤوسهم الطير .. ليس لنا إلا العبرات الحرى نطلقها بصمت وألم .. والتضرع إلى الله نرسله خافتاً مرتعشاً مع الزفرات .

وغاص كل منا في خواطر شتى .. فهؤلاء الذين كنا نأكل معهم قبل ليلة خلت .. ونصلي وإياهم الفجر قبل برهة . هؤلاء الذين كنا وإياهم في سباق على حفظ كتاب الله .. نسمع منهم أو يسمعوا لنا . وربما كان واحدهم قد بات ليلته الأخيرة بجانبنا ، أو أرسل آخر ابتسامة له من وجهه الطلق وغادر وتركنا . هؤلاء الذين نمت بيننا العلاقة عن غير سابق معرفة من قبل في أحلك الظروف وأقساها .. شهرين أو ثلاثة نتناوب على تلقي العذاب ومواجهة الهول معاً .. فكنا على قصر الأيام أكثر من إخوة وألصق من أشقاء . هؤلاء جميعاً خرجوا من بيننا ولن يعودوا أبداً . وغادروا الدنيا ولن نلقاهم إلى يوم الدين .

وترتد الخواطر إلى ذواتنا سريعاً ، ونبدأ نسترجع شريط حياتنا نحن الذين لا نزال أحياء . من طفولتنا البريئة .. إلى شبابنا الذي ما أن بدأ يزهر فينا حتى اقتطفته يد الظلمة من غير ما إنذار . ويتجه الحوار في ذواتنا إلى المستقبل الآتي .. وأي مستقبل ذاك والمشانق ها هي لم تُحَلَّ حبالها بعد ! وتختلط فينا مشاعر الشفقة بالشوق .. واللوعة بالخوف .. والإحباط بالرجاء . ولا نجد في خاتمة المطاف ما نعزي به أنفسنا ونواسي جراحنا ونخفف من هول المصيبة علينا إلا الإلتجاء إلى الرحمن الرحيم ، والرجاء بأن يكون ذلك في سبيله فيقبلنا في الآخرة ويعفو عنا .

مع كتاب الله

وترانا نهرع من جديد إلى كتابه جل وعلا أنيسنا وبلسم جروحنا ننكب عليه ونلتجىء إليه . ولقد أكرمنا سبحانه بعد أسابيع لم تطل بأخ حافظ لكتاب الله قدم إلينا مع حوالي خمسة عشر أخاً من دمشق كلهم من جماعة مسجد زيد بن ثابت . والأخ الحافظ اسمه محمد صنوبر من بلدة جديدة الذيباني قرب دمشق . فكان سرورنا به أكبر من أن يوصف . وأقبلنا نتلقى منه السور والآيات ونحفظها . وكنت أنا والأخ هيثم عثمان برغم إصابته الشديدة نحفظ معاً .. ونراجع ما حفظنا باستمرار .. حتى بات كتاب الله شغلنا الشاغل . ومن شدة همتنا وعزيمتنا أذكر أنني بتوفيق الله حفظت سورة الأنعام كلها في أربعة أيام .. وكنت من قبل أن أعتقل أحفظ جزء عم وبعضاً من الجزء التاسع والعشرين وحسب . فلما رأينا الإعدامات وقدرنا أن المنية قد دنت أحببنا أن ننهي الحفظ فنلاقي به وجه ربنا . وفي عام 1982 أنهيت والأخ هيثم ولله الحمد حفظ القرآن الكريم كله . وكنا أول من ينهي الحفظ من مهجعنا بفضل الله .

مؤامرة !

ومرت الأيام .. وفوجئنا بواحد من الشرطة العسكرية صبيحة يوم تال يطلب أبا رشيد ويمضي به إلى حيث لا ندري . وعندما عاد بعد بضع ساعات كان في حالة يُرثى لها من أثر التعذيب . ولم يكن من طبع أبي رشيد الإكثار من الحديث ، لكنه خصني رحمه الله بذكر ما جرى بحكم معرفتي السابقة به وصلتي الوثيقة معه . ووقتها أخبرني أن ضباطاً من المخابرات أتوا للتحقيق معه حول علاقته برئيس الأركان حكمت الشهابي الذي حضر إلى فرع المخابرات من قبل - كما ذكرت - وحاول دفعه للإعتراف ووعده بالمساعدة . وكانت إعادة التحقيق مع السجين من أصعب الأمور عليه وقد ظن أنه انتهى من هذه المرحلة وطويت أوراق ملفه . ورغم أن الشهابي حاول حقيقة الأمر أن يوقع أبا رشيد ويعين المخابرات عليه إلا أنه رفض الإعتراف بأمر يضره . ولعب المحققون لعبة الإغراء ثانية معه ووعدوه بأن ينقذوه من الإعدام إذا اعترف بوجود صلة للشهابي معه فأبى . وعذبوه على ذلك أشنع العذاب فأصر على موقفه .. وأحس أن ثمة مؤامرة داخل أجنحة النظام تريد استغلاله لتصفية خصومات بينهم .. فأبى بنزاهة المسلم أن يظلم حتى عدوه، وتحمل في سبيل ذلك أشد العذاب.

اليوم المقدور

وانقضت شهور أخر . وتحسنت صحة أبي رشيد والتأمت جراح حفلة التعذيب تلك .. ومضت حياتنا على نفس المنوال لا نخرج من هم حتى نقع في هم أشد .. ولا ننجو من تعذيب حتى يطولنا حفل تعذيب أشنع .. وفي شهر تشرين الأول أو تشرين الثاني من عام 1981 تم استدعاء دفعة جديدة للمحكمة الهزلية التي كانت أحد فصول التعذيب النفسي والجسدي معاً . وخرج في هذه الدفعة أبو رشيد ضمن حوالي أربعين أخاً من مهجعنا . ورغم أنه رجع من غير أن يبلغونه بالحكم إلا أنه أدرك أن الأمر انتهى .. واستشف ذلك من كلام سليمان الخطيب الذي تربع على كرسي القضاء جوراً وظلماً .. خاصة وأنه عاد وألح عليه لتوريط الشهابي .. ووعده بإنقاذه من الإعدام إن فعل .. وأصر أبو رشيد وقتها على الرفض مهما كانت النتيجة .

وعاد أبو رشيد من المحكمة وقد نوى أن يبدأ الصيام من ساعتها وإلى أن يلاقي ربه . وقال بأنه لن يفطر حتى يخرج إلى الإعدام . وعندما حل ذلك اليوم المقدور بعد قرابة الشهرين كنت قد رفعت له شاياً وبعض الطعام من وجبة الفطور ليتناولها عند الغروب . فلما دخلوا ونادوا على أسماء المطلوبين للإعدام من دفعته لم يذكروا اسمه .. وتدافع الإخوة لوداع الأحبة وأغلق من ثم الباب .. وبينما نحن نترقب ناداني أبو رشيد رحمه الله وقال لي :

أخي أبو سليم .. أراني اليوم متعباً .. هات ناولني الشاي والطعام لأفطر .

قلت له : هاك وتوكل على الله .

ووالله الذي لا إله إلا هو ، لم يرشف أبو رشيد من الشاي رشفة وبدأ بالثانية حتى فُتِحَ الباب من جديد ونادى الشرطي فينا :

حسين رشيد عثمان .

حاضر .

رد أبو رشيد وكأس الشاي لا يزال بين شفتيه .. فأيقنا سبحان الله كيف أن رزق الإنسان المقسوم لا بد وأن يبلغه .. وأنه كان لا بد وأن يأخذ رشفتي الشاي هاتين لا تزيدان ولا تنقصان !

ولم يلبث أن قفز رحمه الله إلى زاوية من زوايا المهجع وبدأ يخلع عنه ملابسه وهو يكبر ويهلل .. وحينما لم يبق عليه إلا الشورت والشرطة على الباب يكادون يجنون مما يفعل ألقى إلينا بكل ما كان يرتدي لنستفيد منه .. وخرج إلى الإعدام رحمه الله . ولم أستطع هذه المرة التلصص من ثقب الباب بعد الذي حصل . وسرعان ما انتهى تنفيذ الإعدام ، ودخل الشرطة علينا فأخرجونا إلى الساحة وأشبعونا جلداً ولطماً حتى يمسحوا عنا أي أثر إيجابي تركته فينا تكبيرات أبي رشيد رحمه الله .

أحداث حماة

وحل عام 1982 ونحن بين أيدي الظلمة تمضي بنا الأمور من سيىء إلى أسوأ . ولم تلبث أن انفجرت الأحداث في حماة من غير أن نعلم بها بالطبع . لكننا تلقينا آثارها السلبية داخل السجن ورأينا الأهوال وقتها دون أن ندري بما يجري .

فابتداء من شهر شباط اشتد التعذيب نوعاً وكماً .. وبدأ ضحاياه يتزايدون باستمرار .. حتى أن واحدنا كان إذا حل دوره في سخرة الطعام وأراد الخروج لتناوله من باب المهجع قرأ الفاتحة ووضع في حسبانه احتمال أن تكون آخر سورة يتلوها قبل أن يموت ! وبلغتنا أنباء عدة عن إخوة قتلتهم ضربات تلك العصا الغليضة التي كانوا يهوون بها على رأس السجين مباشرة ولا يبالون . وفي نفس الفترة ارتفعت نسبة المحكوم عليهم بالإعدام حتى كادت أن تشمل 98% من كل دفعة تخرج للمحاكمة . وأصبحت الأحكام تنفذ كل يومين بعد أن كانت من قبل ثلاث مرات في الشهر على الأغلب . ووقتها كان إعدام أبي رشيد ودفعته رحمهم الله .

احتياطات !

وذات يوم ، وفي دفعة من دفعات الإعدام تلك ، طلب الزبانية أخاً من مهجعنا 26 للإعدام اسمه عبد الكريم غانم من الزبداني كان طالباً في كلية الهندسة بدمشق . فلما سمعنا الخبر اندفعنا نودع الأخ وقد تفجرت من مآقينا الدموع . فوجدناه رحمه الله يقف في وجوهنا شامخاً راضياً يقول لنا :

علام تبكون ؟ ابكوا على حالكم أنتم .. أما أنا فخلاص ارتحت من هذا العذاب .

ومما هو جدير بالتسجيل هنا أنه وأثناء هذه الموجة الطاغية من العنف والإجرام بلغنا ذات مرة أنهم أخرجوا دفعة من السجناء للإعدام فتمكن أحد الإخوة من بينهم من الإفلات ، وقام بضرب الجلادين ما وسعه الجهد قبل أن يطبقوا عليه ويعيدونه إلى حبل المشنقة . وبعد الحادثة اقتحموا كل المهاجع وأذاقونا كلنا قتلة من أشد ما رأينا خوفاً من أن تولد حادثة الأخ فينا نوعاً من أحاسيس التمرد والعصيان . ومن وقتها بدأ الشرطة يأخذون احتياطات أشد أثناء الإعدامات .

العميل !

تم اعتقالي مثلما ذكرت في البداية في الشهر العاشر من عام 1980 بعد أن انتقلت صلتي من أبي الفرج إلى يحيى الشامي . ورغم التعذيب الفظيع الذي نلته في أقبية المخابرات العسكرية فإن الله ثبتني ولم أعترف على يحيى أو أي شخص آخر . لكنني فوجئت مع اشتداد موجات القتل والتعذيب في الشهر الثاني من عام 1982 بخبر استشهاد يحيى في سجن تدمر . ثم لم تلبث الأقدار أن جمعتني مع إخوة من هنا وهناك التقوا يحيى في مراحل محنته المختلفة وعرفوا قصته .

ولقد تم اعتقال يحيى ابتداء بعد اعتقالي بزمن غير طويل . وكان ذلك حينما حضر يحيى إلى موعد مع شخص يسمى عبد الكريم رجب كان طالباً من حماة يدرس الطب في دمشق تمكنت أجهزة الأمن من تجنيده لصالحها واستفادت من علاقته مع شباب الإخوان ومعرفته بالكثير منهم أيما فائدة . ولا أزال أذكر كيف كان عبد الكريم هذا يحوم حولنا بشكل دائم من خلال معرفته بإخوة آخرين ، ويكثر من الأسئلة والإستفسارات بسبب ومن غير سبب . ولقد أوقع هذا العميل كما تأكد لي عدداً كبيراً من الإخوة بالفعل ، وتمكن من كشف العديد من قواعد المجاهدين في دمشق خاصة . وكان نشاطه في قمته بين صفوف الإخوة الذين توافدوا من خارج سورية إلى دمشق لتشكيل التنظيم الوليد الذي كان أبو الفرج أبرز قادته .

وهكذا وجد يحيى نفسه وسط عناصر المخابرات يطبقون عليه وعلى عبد الكريم عند المسجد الأموي ويقتادونهما إلى فرع التحقيق العسكري ، ليقاد يحيى منه إلى تدمر بعد انتهاء التحقيق معه ، وأطلق سراح عبد الكريم رجب ليستكمل مهمته التخريبية بين أفراد التنظيم .

ولقد بلغنا لاحقاً أن المجاهدين في حماة تمكنوا من كشف عبد الكريم واستدراجه إلى كمين محكم ، فاعتقلوه وحققوا معه وأخذوا منه اعترافات كاملة . وتم اعدامه بعد ذلك جزاء خيانته .

ولم ألتق يحيى في تدمر من بعد . لكنني التقيت من عاصره وعاش في المهجع معه . وبلغني أنهم في يوم من أيام شهر شباط عام 82 حينما كانت أحداث حماة في ذروتها استدعوا يحيى إلى الذاتية للتحقيق معه ، وطلب المحقق القادم من فرع التحقيق من يحيى أسماء محددة ومعلومات لم تكن لديهم . فأبي يحيى ورفض . فأمر المحقق بالدولاب أن يُحْضِرَ وأنزلوا يحيى فيه وانهالوا عليه ضرباً وقتلاً في باحة الذاتية ثم توقفوا . فلما سأله المحقق عن الأسماء والمعلومات أصر على الإنكار . فأمر بتجريده من ثيابه إلا الشورت وأعاده إلى الدولاب . وعاد الضرب الوحشي ينهال عليه حتى أن واحداً من أظفاره طار من قدمه ووقع قريباً من سجين آخر كان ينتظر دوره في التحقيق في الباحة ذاتها . ولقد التقيت هذا الأخ وهو لا يزال يحتفظ بالظفر معه !

واشتد الضرب وانهالت الخيزرانات والعصي على قدمي يحيى وبقية جسده حتى أغمي عليه . فأمر المحقق الزبانية أن يشنقوه . ولم تكن المشانق جاهزة يومها ، فسحبوه حتى وصلوا به أمام باب مهجع 5-6 وقام الرقيب فيصل كحيلة والشرطيان سمير كوشري وشحادة - حسبما وردنا من شهود عيان - فلفوا حبلاً حول رقبة الأخ يحيى وشدوه بين أيديهم وهو لا يزال رحمه الله مغمى عليه حتى أزهقوا روحه !

مفاجأة !

ومما لا أزال أذكر من قصص الإعدامات المؤثرة - وأياً منها لا يؤثر في صم الحجر ! - قصة طبيب أسنان من حلب من بيت قره علي كان معتقلاً مع عديله . ولقد تم الإفراج عن هذا الأخير بعد واسطات شديدة كما يبدو ، وبقي الأول ينتظر ويرجو .

وفي صبيحة يوم من تلك الأيام التعسة نودي اسم الأخ فظن أن إذْنَ إخلاء سبيله قد تم . وأنه سيغادر الآن للقاء أهله من جديد . وكان المسكين يرتدي حين اعتقاله طقماً سارع حينما سمع اسمه فارتداه . وأخرج ساعته الذهبية فارتداها أيضاً . وجعل ينفض عن كتفيه الغبار ويحاول أن يمشط شعره ويحسن من هيأته وكل الظن أنه خارج إلى الحرية الآن . فلما خرج كانت المشنقة في انتظاره حقيقة الأمر . وكانت صدمة لنا جميعاً بقيت تؤرقنا ردحاً من الزمان .

الجرب

وطالت المحنة كل أوجه هذه الحياة المرّة . فمع ازدياد العذاب والإعدامات انخفضت كمية الطعام المقررة للسجناء رغم أنها لم تكن تكفي لتقيتنا بالأصل . وصارت إدارة السجن تتعمد قطع الماء عنا حتى أننا عانينا خلال صيف ذلك العام شهراً كاملاً من غير ماء . وكان موردنا الوحيد عن طريق بيدونات يملؤها الشرطة لنا وقتما شاؤوا وبالعدد الذي يريدون . وقتذاك عمت القذارة المهاجع غصباً عنا وباتت رائحتها لا تطاق . ولم يلبث أن تفشى الجرب بيننا وانتشر انتشاراً كبيراً كنت أنا نفسي واحداً من ضحاياه .

والجرب كما هو معلوم مرض جلدي يصيب الإنسان بحكة شديد في جلده سرعان ما تؤدي إلى تورمه وتقيحه .. وليس هناك مكاناً محدداً يكتفي به هذا الداء . فمن الممكن أن يصيب الرجلين واليدين والصدر والظهر والمحاشم ذاتها . وعلاوة على الألم الشديد الذي يسببه الجرب فإن انتقاله بين الناس المتجاورين أمر محتم . ولو لم يعالج المصاب فقد يموت من المرض . ولقد حدث ذلك في مهجعنا 26 الذي انتشر الجرب فيه مثلما انتشر ببقية المهاجع . ولا أزال أذكر كيف دهم هذا المرض أخاً من دير الزور اسمه عبد الكريم الصالح ، فالتهب جلده كله وانتفخ ، وظل يعاني قرابة الشهر يصيح من شدة الألم وليس بيدنا شيء نقدمه لنخفف عنه إلا الدعاء . وعندما أبلغ رئيس المهجع الشرطة بحاله وكرر عليهم البلاغ لم يزيدوا عن أن أمروه أن يكف عن الشكوى وأن يتركه في المهجع ليموت !

لكن تزايد الإصابات وانتشار المرض في المهاجع الأخرى جعل إدارة السجن بعد حين تتنازل وتحضر للمصابين دواء الجرب . وتم تعيين مسؤول صحي لكل مهجع من السجناء أنفسهم تكون مسؤوليته تقديم تقرير بالحالة الصحية إلى طبيب السجن حتى لا يضطر ذاك إلى فحص المرضى بنفسه والتعرض لاحتمالات الإصابة بالعدوى منهم ! وفي هذا السياق عُيِّنَ الأخ الطبيب قاسم موسى مسؤولاً صحياً لمهجعنا . ثم لما تزايدت الحالات أكثر فتحوا للمصابين مهجعاً خاصاً كما حدث أيام الكوليرا ، لا رحمة بهم بالتأكيد وإنما خشية أن تنتقل العدوى إليهم . ورغم ذلك فقد مات بسبب الجرب من مهجعنا وبقية المهاجع الأخرى عدد غير قليل من الإخوة ، وقدر للأخ عبد الكريم الصالح أن يتعافى بالتدريج ، حتى إذا شافاه الله بعد حين أتاه النداء ، وسيق مع دفعة من دفعات الإعدام إلى الردى رحمه الله .

من سجل الضحايا

وكان الممرض وطبيب السجن قد توقفا عن الحضور للمهجع قرابة الخمسة أشهر خلال أحداث حماة وبعدها ، مما ضاعف الإصابات وأسرع في انتشار الجرب . وانتشرت معه أمراض أخرى لم نستطع أن نعرف أسبابها أو نوعيتها بالتحديد . فكنا نحار في أمرنا ونفعل ما بوسعنا لمساعدة المصابين . ولكم كان الإخوة يتسابقون لفداء إخوانهم المرضى من أي عذاب أو جهد وإيثارهم بحفنة الطعام المخصصة للواحد منهم . لكن ذلك لم يكن كافياً لوقف المرض أو إنقاذ المصابين . وقضى عدد من الإخوة نَحْبَهُم فريسة الأمراض والأوبئة فبلغوا قرابة الستة عشر ، لا زلت أذكر منهم كمال أندورة ومأمون الذهبي من دمشق . وهشام مجندف وبسام الهاشمي وسامي وحود من حمص .

وكان أول من مات بين أولئك جميعاً معتقل من قرية صوران قرب حماة اسمه عبد العزيز عوض السالم . أصابه السل كما يبدو حتى أصبح يبصق الدم . وعندما أخبر رئيس المهجع أبو الفضل الرقيب أن لدينا مريضاً في حالة خطرة أجابه بالحرف الواحد :

ولا .. بس يموت دق الباب !

وبعد شهرين من المعاناة وبعد ظهر أحد الأيام إتكأ الأخ على صدر شقيق له كان سجيناً أيضاً وأخذ يذكر الله ويردد الشهادتين حتى لفظ آخر أنفاسه رحمه الله . فلما تأكدنا من وفاته طلب شقيقه من الحضور أن يغسلوه قبل أن نخبر الشرطة بالأمر . لكن الإخوة خافوا أن تصيبهم العدوى أو أن تنزل بهم من الشرطة بلوى . فلما لم يتقدم أحد رأيت أن الأمر لا بد وأن يحسم . وتوكلت على الله وتقدمت . وأدخلته الحمام وغسلته وحدي . ومن يومها تعلم الإخوة علي وأوكلوا إلي هذه المهمة ما دمت فيهم . فغسلت كل الذين ماتوا من بعد ذلك في المهجع . بعدها قرع أبو الفضل الباب وأخبرهم بوفاة الأخ . فلم يزيدوا عن أن طلبوا منه أن يخرجه إلى الخارج . فتعاونت معه وحملناه ، وعدت أنا وبقي أبو الفضل لبرهة . وعندما عاد أخبرنا أنهم أرادوا أن يتأكدوا من موته فتقدم أحدهم منه وركله بقدمه وحسب .. وجاء "البلدية" فأخذوه ومضوا !

سحور !

ومضت الأيام .. وازدادت الأمراض وكثرت الوفيات .. حتى كنا نخرج في فترة من الفترات ميتاً من مهجعنا كل يوم ! ولا زلت أذكر أنني كنت أنام بجانب الأخ كمال أندورة في ليلة من تلك الليالي الرهيبة ، وكنت قد نويت صيام اليوم التالي ، فنهضت قبيل الفجر لأتسحر . وكان كمال بعد أن اشتد عليه المرض في الفترة الأخيرة لا يستطيع النوم مستلقياً وإلا اختنق . فكان يتربع في مكانه ويستند رحمه الله إلى الجدار ويظل يكابد طوال الليل ويتأوه ويعاني . فلما نهضت لأتسحر وجدته ساكتاً على غير عادته . فجعلت أناديه بصوت خافت . فلما لم يجبني وارتبت في الأمر دفعته براحتي ، فوجدته يسقط ميتاً على الطرف الآخر .

ولم يكن وارداً وقتها أن أقوم بأي حركة تكشفني أمام الشرطة على سطح المهجع ، فسحبت البطانية على وجهه بكل هدوء ، والتفت فسحبت صندويشة كنت قد وفرتها من عشاء الأمس لتكون سحوراً لي ليلتها ، فجعلت أدس اللقيمات في فمي دساً وأغص بهن ، والأخ بجانبي مسجى لا روح فيه ! وعندما استيقظنا صباحاً ومضينا لنغسله قبل أن يعلم الشرطة بموته وجدناه رحمه الله تخشب جسده وقد مضت على وفاته بضع ساعات . حتى إذا انتهينا بعد جهد يكلله الرعب أخبرناهم بموته . فلم يزيدوا عن أن نادوا "البلدية" ليسحبوه .. وانتهى الأمر !

سُنّة طيبة !

ومما لا ينسى من مشاهد الأمراض والأوبئة التي دهمتنا قصة أخ من حمص اسمه عبد المعز العجمي . أصابه مرض اليرقان الكبدي عام 1982 وأشرف على الموت بسببه . وجعل الأخ أبو الفضل رحمه الله يجهد نفسه ويجهدنا في توفير كمية من الطعام له من نصيبنا . وكان رحمه الله أول من سن هذه السنة الطيبة في إيثار المرضى على شدة حاجتنا وضآلة نصيبنا من الطعام . وجعلنا ندعو لأخ ونسأل الله له الشفاء . وسبحان من استجاب ومنّ على الأخ برحمته . فلم يمض شهر كنا نظن الأخ في أوله مودعاً حتى قام بيننا صحيحاً معافى . وكانت آية أخرى فيه أن طلب فيما بعد إلى الإعدام . ونال شرف الشهادة عام 1984 بعد أن نجا من الموت بسبب اليرقان .

الطبيب القاتل !

وإذا كانت حكايات الأسى وروايات المعاناة في سجن تدمر لا تنتهي فإن مما لا ينسى من بينها حكاية الأخ زاهد داخل التي تجسد كل معاني الطائفية الحاقدة والهمجية التي مارسها النظام السوري على شعبه .. وتفسر أسباب ثورة تلك الفئة المؤمنة على جلادها ولجوئهم إلى القوة كحل وحيد لم يجدوا من دونه سبيلاً للنجاة .

كان زاهد رحمه الله طالباً متفوقاً في كلية الطب بجامعة حلب في سنواته الأخيرة .. جمعته الأقدار على طاولة الدراسة مع طالب آخر من طائفة النظام اسمه محمد يونس العلي . وفي أحد الأيام تعرّض يونس هذا لزميلة لهم في الصف من أسر حلب المحافظة ، وجعل يلاحقها بفظاظة ويتابعها بالتصريح وبالتلميح فلا يجد منها إلا الصدود .

ودارت الأيام وشاءت الأقدار أن يتقدم زاهد نفسه لخطبة الفتاة ذاتها وأن ينال موافقتها وموافقة أهلها معاً . وتم الزواج وعمت الفرحة قلوب كل الناس إلا يونس هذا .. الذي اعتبرها قضية كبرى وعدواناً على كرامته لا يغتفر . وجعل يهدد الفتاة وزوجها بشكل معلن .. وينذرهما بالويل والثبور وعظائم الأمور . وزاهد المؤدب الحيي لا يملك إلا أن يعرض عن الجاهلين .

وانتهت الدراسة ، وتخرج زاهد ويونس من كلية الطب ومضى كل منهما في طريق . حتى إذا اشتعلت الأحداث في سورية وأسفر النظام عن أقبح الوجوه وجد زاهد نفسه فريسة بين أيدي المخابرات يتنقل من عذاب إلى عذاب ومن سجن إلى آخر ، حتى انتهى به المقام في مهجع 5-6 بتدمر ! وشاءت الأقدار أن يكون طبيب هذا السجن - ويا للهول - محمد يونس علي نفسه ! أما الإجابة عن كيفية وصول زاهد ويونس كلاهما إلى هذا المكان .. وعلاقة ذلك بتهديدات يونس السابقة فذلك ما لم نعرفه . لكنا تأكدنا كلنا أن هذا الطبيب كان يبحث من أول يوم عن شخص محدد اسمه زاهد داخل بين السجناء في مختلف المهاجع . وجعل الشرطة العسكرية يدورون على مهاجع الباحة الأولى حيث تم فرز زاهد على واحد من مهاجعها ويسألون عنه مرة بعد مرة .. حتى تم للجاني ما أراد وشاهد زاهداً في يوم من الأيام أثناء التنفس فقال للشرطة ها هو ذا . ومن لحظتها أخرجه الزبانية وأوسعوه ضرباً وجلداً ومسبات وقالوا لرئيس مهجعه : هذا معلّم . ويبدو أن زاهد قد لمح يونس أو سمع بوجوده فأدرك ما يدور .. وعرف أن طبيب السجن هو جلاده وغريمه نفسه .. وأسر بذلك للإخوة في مهجعه وسأل الله الستر .

وجعل الشرطة يخرجون زاهداً بسبب ومن غير سبب ويذيقونه في كل يوم جرعة مضاعفة من العذاب .. ومضت أسابيع على هذه الحالة أيقن زاهد والإخوة معه أنه مقتول لا محالة . حتى إذا انهار ولم يعد يستطيع الخروج للتنفس وجلس في المهجع كما اعتاد من أصابهم مرض أو أقعدهم التعذيب أن يفعلوا أخذ الشرطة يبحثون عنه بين المرضى ويعذبونه هناك .

وفي يوم مكفهر أخذ الزبانية التفقد في مهجع 5-6 ولكن من غير أن يخرجونهم كما تقتضي العادة . وأتى الأمر من الرقيب فيصل كحيلة للإخوة أن يضبوا كلهم في زاوية المهجع . فلما فعلوا ولم يبق في ذلك الركن إلا زاهد المسكين وقد انتهت فيه كل قدرة على الحركة تقدم فيصل وعريف من الشرطة العسكرية اسمه شحادة وهوى كلاهما بالعصا على رأسه بكل قوته فانفلق من فوره ..

وسقط زاهد على أرض المهجع يتخبط دمه ، ومن غير أن تختلج في القتلة عضلة واحدة خرجوا وأقفلوا باب المهجع . ولم يلبث القتلة أن فتحوا نافذة الباب ونادوا رئيس المهجع وسألوه عم حدث . فأجاب المسكين بهلع : لا أعرف سيدي ، أظنه وقع على الأرض وأصيب بارتجاج في الدماغ ! فأقفل الجناة النافذة ومضوا غير عابئين ، وهرع الإخوة إلى زاهد فرأوه قد أسلم الروح ، فجعلوا يسحبونه إلى الحمام ليغسلوه . في تلك اللحظة فتح الباب من جديد وأمر الشرطة رئيس المهجع أن يخرج الجثة . فجعل المسكين يسأل الإخوة أن يساعدوه فأبوا . وأقعدهم الخوف وفظاعة المشهد عن أن يتقدموا خطوة واحدة . فلم يجد الأخ إلا أن يسحب جسد زاهد سحباً حتى باب المهجع . وجاء "البلدية" كالعادة فحملوه من بعد ومضوا به وكأن شيئاً لم يكن !