أبو جهل !
لم يكن سهلاً علينا في
البداية أن نتكهن إلى أين نمضي ، ولم يكن ممكناً لنا في نفس الوقت أن نتبادل
الآراء أو أن ننبس ببنت شفة ، لكن الوقت الذي طال علينا والسرعة المنتظمة التي
أخذت السيارة تحافظ عليها أوحت إلينا أننا الآن خارج العاصمة نتجه إلى مكان بعيد ،
لم نلبث أن رجحنا هذه المرة أن يكون تدمر لا غير . وبالفعل وفي نهاية المطاف
توقفت السيارة بنا وسكن هدير محركها ، وفتح الباب الحديدي علينا وأتانا الأمر
بالنزول .
سرت القشعريرة في بدني فور أن
نزلت من السيارة ولسعتني قرصة البرد الصحراوي قبيل الفجر . ولم نلبث أن وجدنا
العناصر الذين أتوا بنا يرفعون الطماشات عن أعيننا ويفكون القيود من أيدينا
وأرجلنا ويرموا بها في السيارة لأنها عهدة الفرع هناك . وبرغم الظلام الحالك
إلا أن الأنوار التي تسلطت علينا كانت كافية لنرى أفراد الشرطة العسكرية يحيطون
بنا ويجرون مع عناصر المخبرات إجراءات الإستلام والتسليم ، ولنعلم من ثم أنه سجن
عسكري ذاك الذي وصلناه .. وأنه لكل المعطيات التي اجتمعت سجن تدمر لا
ريب !
لم يطل الأمر بنا لأكثر من
ثوان معدودات حينما هجم عناصر الشرطة العسكرية علينا وبدأوا يجذبون كل من تحرر من
القيد منا فيركلونه ركلة يجد نفسه من فوره على باب صغير ، ينتظره على جانبه شرطي
آخر يجذبه بيديه كخروف تعس الحظ ويركله مرة ثانية ليلج الباب . وهناك وما أن
دلفتُ حتى استقبلتني لطمة شرطي ثالث حولت وجهي إلى الجدار . وتتابع وصول
الإخوة الآخرين إلى الجدار بنفس الطريقة ، حتى إذا اكتمل عددنا وانتهت الدفعة
أحسسنا ووجوهنا إلى الجدار كلنا أن شخصاً مهماً قد حضر . ونادى أحدهم وفق
الإجراء العسكري المتبع :
حاضر سيدي المساعد .
وانطلق من وراء ظهورنا صوت
مساعد السجن أحمد كيساني كما علمنا لاحقاً أو أبو جهل كما سماه السجناء ..
انطلق من غير مقدمات يلعن آباءنا وأجدادنا ويَفْجُرُ بحق أمهاتنا وأعراضنا
وديننا .. كان مضحكاً مبكياً أن ينادينا هذا المجرم الوالغ في دماء الأبرياء
يقول :
يا خَوَن ( أي خونة ) ..
يا عملاء الصهيونية !
وانطلقت السياط من غير إنذار
تسلخ جلودنا المكشوفة لهم ، فإذا صاح واحدنا أو تأوه ضاعفوا عليه العذاب .
لكن حفلة التعارف ما كانت لتبدأ من قبل أن نتلقى أصول الإتيكيت السائد ! ولم
ألبث أن طرق سمعي صيحة أبي جهل هذا ينادي عساكره :
أحضروا هذا العرص أبو
الجينز .
وكنت وقت اعتقالي ألبس بنطال
جينز قدراً ، فكأنما وجده نقطة علام تساعده على أداء مهمته . وجذبتني الأيدي
كملاقط الحديد ورمتني أمام سيادة المساعد ، فلما رفعت عيني إليه أريد أن أستطلع
الخبر صاح بي ملء صوته :
غمض عينيك ولا .
وهجم عناصر الشرطة علي
فبطحوني أرضاً يركلونني ويجلدونني من كل اتجاه . وأتتني وسط هذه العاصفة لسعة
كرباج على عيني رأيت الشرر والله خرج منها ! وأدركت لاحقاً أن هذا الذي
أصابني كان مجرد درس تعليمي لنا وحسب ! فالقوانين هنا في سجن تدمر العسكري
غيرها في أقبية المخابرات بدمشق . وإذا كانت التعليمات تقتضي هناك أن تبقى
عيوننا معصوبة مطمشة على الدوام حتى لا نرى أحداً من المحققين أو الجلادين ، فإنها
هنا توجب علينا أن نكشف عيوننا وأن نمتنع رغم ذلك عن رؤية أي أحد منهم ! ولو
نزلت على واحدنا كبلات الأرض أو قطعت لحمه السياط فالواجب المحتم عليه أن يبقى
مغمض العينين !
الذاتية
وتوقف الضرب فجأة بإشارة من
أبي جهل ، وأتاني صوته القبيح :
راسك بالأرض ولا وغمض
عينيك .
وساد المكان سكون رعيب لبرهة
من زمن . فلما أدرك أن الدرس الأول وصل المجموعة كلها صاح من جديد :
قل حاضر سيدي ولا .
قلت ورأسي في الأرض وعيناي
مغمضتان : حاضر سيدي .
قال : كم عملية إنت عامل
ولا عرص ؟
قلت : ولا عملية
سيدي .
قال وكأنني أنا الذي
أشتمه : ولا عرص .. بتكذب ؟
وانهالت الكبلات والسياط علي
من جديد . وجعلت أتلوى على الأرض كالذبيحة لا أدري أين المفر . والإخوة
وجوههم كلهم إلى الجدار وصياحي وعواء الشرطة من حولهم وحولي يفتت أعصابهم ويفري
قلوبهم . ولم يلبث الدور أن تحول ونادى أبو جهل من جديد :
واحد واحد من هون يا خَوَن
اطلعوا لبرة .
وساقتنا اللطمات والكرابيج من
جديد إلى باحة أخرى تتصدرها غرفة الذاتية ، أجلسونا خمسة خمسة أمامها وبدأوا
يدخلوننا واحداً تلو الآخر إليها ، والشرطة خلفنا يركلوننا بأرجلهم أو يصفعون
رؤوسنا بأيديهم ويلسعون ظهورنا بالكرابيج والكبلات وهم لا يكفون عن شتمنا وتوعدنا
وتهديدنا :
هلق بنفرجيكم يا
خَوَن .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل ... بأمهاتكم
واخواتكم .. والله الموت مصيركم يا ..
ولم يكن الزبانية كاذبون في
ذلك ، فلقد اعتادوا قتل الناس بأنفسهم وفعلوا ذلك مرات لا تعد . ووفوا
وعدهم في المستقبل وأزهقوا من أرواح الإخوة من نفس الدفعة عدداً ربما فاق من بقي
منهم على الحياة !
التعليم !
لم يكن الفجر قد طلع
بعد ، والبرودة التي أطبقت علينا من كل اتجاه ونحن في ملابسنا الصيفية
الخفيفة التي اعتقلنا بها زادت عليها برودة الإسمنت الذي أجلسونا فوقه ننتظر أن
نلج غرفة الذاتية تلك . فلما حان دوري وقد كدت أتجمد رغم السياط التي أصابتني
دخلت فوجدتهم يسألونني كالعادة عن اسمي وسني وعنواني .. وعلمت أثناء ذلك أننا
اليوم في العاشر من شباط عام 1981 . فلما علموا أنني أردني الجنسية ثارت
ثائرتهم وانتفضت أوداجهم وانهالوا علي ضرباً ولكماً وشتماً بأقذع الألفاظ .
ولم يكن معنى ذلك أنها غضبة ساعة وحسب . فلقد تبين لنا لاحقاً أن الشخص الذي
يلقى معاملة خاصة من هذا النوع ساعة استقباله في الذاتية فقد
"تعلّم" . و"التعليم" معناه أن الشرطة قد ميزوه عن غيره
لسبب ما .. وأنه محتم عليه بالتالي الهلاك لا محالة .. في العاجل أو في
الآجل القريب . غير أن الله سبحانه قدر ولطف ، وحدث أن تغيرت النوبة
التي استقبلتنا في تلك الأثناء .. وذهبت مجموعة الشرطة التي كانت علّمتني
وقتذاك وحضر آخرون فاتتهم هذه الملاحظة عني .. فأنجاني الله من موت
محقق !
قصاص !
وانتهت إجراءات
التسجيل ، وصرنا الآن جزء من عهدة تدمر رسمياً ، وعلينا أن نتلقى مراسيم
الإستقبال الرسمي الآن .. فكل هذا الذي سبق تبين أنه لم يكن ضمن
الحساب !
تجمع موكبنا الحزين خارج
الذاتية ، فإذا بنا أمام باب كبير كفم الغول .. أخذتني لمحة من عيني إلى
أعلاه فهالني أن أقرأ قول الله تعالى مخطوطاً هناك ( ولكم في القصاص حياة يا أولي
الألباب ) تحوطه شعارات النظام المعروفة "أمة عربية واحدة . ذات رسالة
خالدة " !
دخلنا الباب ونحن نقرأ على
الدنيا وراءنا السلام ! ووجدنا أنفسنا في باحة اسمنتية تحيطها المهاجع التي
أمرونا أن نصطف على جدرانها مُسْلِمين للوحوش رجال السَرِيَة كلهم ظهورنا
بالإختيار ! ولم يلبث الزبانية أن بدأوا يسحبون الواحد منا تلو الآخر فيعرونه
من ثيابه إلا الشورت ، ويفتشونه مرة أخرى من باب الإحتياط . وفي الوقت
الذي يتولى قسم من الشرطة الإخوة المتجهين إلى الجدار بالضرب والجلد
والركلات ، وبينما يعلو الصياح وترتفع أصوات الإستغاثة ولا مغيث ، تجذب
الأيدي القاسية الأخ الذي تجرد من ثيابه وبات جاهزاً أو تدفعه فيختل توازنه ويقع
على الأرض ، ليكون الدولاب في استقباله واثنان من الشرطة العسكرية على جانبيه
ينزلانه فيه . فترتفع الرجلان في الهواء .. ويفقد واحدنا القدرة إذ ذاك
على التحرك . لكن الجلادين ولزيادة الإحتياط وتحقيق مزيد من الإتقان يربطان
الرجلين بجنزير من الحديد تعدم أية فرصة لهما للتحرك قيد أنملة .
ويبدأ الضرب من غير رحمة ومن
غير عد .. فإشارة الإنتهاء لدى الوحوش أولئك أن تتفتح بطن الرجل وتسيل منها
الدماء . فإذا تم ذلك فكوا القيد عن الرجلين وأخرجوا المعتقل من الدولاب
وأمروه أن يفتح كفيه ليتلقى هدية أخرى . وتنهال على الراحات سياط من الجلد
العريض سمعنا أنها صنعت من حزام مروحة الدبابات ! حتى إذا حل بالأيدي مثل
الذي حل من قبل بالأرجل وتأكد الجلادون أن الدم الآن يسيل أمروا ضحيتهم
بالإنبطاح . ولا يكون المسكين بحاجة لسماع الأمر لأنه منهار ومُنْتَهٍ
بذاته ، فيستقبل الأرض لا حول له ولا قوة .. وتلحق به السياط والعصي
تأكل الآن ظهره وجنبيه : خمسون .. مائة .. وربما مائتا جلدة قبل أن
يتوقف الزبانية .
ويدخل الحفل مرحلته
الأخيرة ، فيقفز أحدهم فوق ظهر الضحية ويلحقه ثان فيقلبه ويعلو صدره ..
ويأخذ كلاهما يعفسانه ويركلانه ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة .. حتى
تتكسر الضلوع وتتهتك بقايا الجلد السليم . وتكون الدائرة قد مرت على الدفعة
كلها ، وسالت دماء الإخوة جميعاً ونال كل واحد منهم نصيباً من العذاب غير
موصوف . ولكم فُقِدَ في حفل الإستقبال ذاك من إخوة وماتوا من غير أن يأبه
أحد . ولكم خرج من هذا الجحيم من خرج كسيراً أو صاحب عاهة من غير أن يزيد ذلك
الزبانية إلا سروراً وغروراً .
المهجع 26
مضت ثلاث أو أربع ساعات على
حفل استقبالنا هذا وسطعت علينا الشمس فهالنا أن نبصر أنفسنا وكأننا سرب طيور
منتوفة الريش ! ومن قبل أن نلتقط أنفاسنا صاح بنا أحدهم أن نلبس ثيابنا
ونمشي . ومشينا .. نازفي الجروح مطأطئي الرؤوس . لكن السياط
والكبلات لم ترحمنا . ووجدنا أحدهم يهوي علينا بعصا لا أظنها والله إلا جذع
شجرة .. إذا هوت على الظهر فلقته . فإذا أصابت الرأس أو الصدغ فالواحد
ميت لا محالة !
وكان معنا أخ من ادلب اسمه
نديم منصور أصيب أثناء اعتقاله بطلقات رصاص في ساقه وساعِدِهِ ولم يكن يستطيع
السير . فتقدمت أنا وأخ من حلب اسمه جمال عيار وحملناه . أنا أمسكه من
كتفيه وجمال يرفعه من رجليه . وركضنا وركض الشرطة وراءنا يضاعفون علينا
العذاب .. وكدنا مرات عديدة أن نقع ويقع الأخ معنا . ولم نكن ندري إلى
أين سينتهي هذا الجري بنا .
وجعلنا ندخل من باحة إلى أخرى
ونعبر من باب إلى باب حتى وصلنا آخر الأمر إلى الباحة السادسة من السجن ،
ووجدنا أنفسنا نساق إلى مهجع كبير فيها هو المهجع السادس والعشرون . وهناك
وبعد أن اكتمل وصولنا وجدناهم يصفوننا على الجدار من جديد ، ومضى الشرطة
فختموا لكل منا بضربة عصا على ظهره الدامي لتهد ما يمكن أن يكون تبقى من جََلَدٍ
فيه . حتى إذا هدأت الأصوات وسكنت الحركات دخل المساعد أبو جهل
المهجع .. وافتتح كلمة ترحيب جديدة حافلة بأقذع المسبات وألفاظ الكفر
بالله .. وزف إلينا وسط عباراته الناضحة بشرى وصولنا سجن تدمر .. تدمر
التي ستكون فيها نهايتنا .. نحن الخون العرصات العملاء ال.... .
وانتهت الكلمة الترحيبية
بنا ، وخرج أبو جهل يتبعه الزبانية ، ووجدنا الباب يغلق علينا ،
وصمت كصمت القبور يلفنا . وسرعان ما ألقى كل منا بدنه المنهك على
الأرض .. يود لو أن مال الأرض كله بين يديه فيفتدي به ساعة من غير
عذاب !
في انتظار المجهول !
أغلق الباب وظننا أننا نلنا
اليوم نصيبنا كاملاً من العذاب ولن يكون هناك مزيد . غير أن الأمل تبخر لحظة
أن نادى علينا صوت أجش من فوقنا يصيح :
الكل لم عالزاوية ولا .
أفزعتنا المفاجأة .. فلم
نكن نتصور أن فوقنا داخل المهجع زبانية من الشرطة العسكرية أيضاً . وعندما
رفع أحدنا رأسه يستطلع من أين جاء الصوت ناداه الشرطي وهو يشتمه :
أنت يا .. علّم حالك
ولا . ولما أقول وين المعلّم بتطلع لبرة ..
وكالقطيع المرعوب انكمشنا نحن
في زاوية من زوايا المهجع حيث أمر ، وأطرقنا برؤوسنا نترقب المجهول .
وأخذنا نحاول بحواسنا المتوترة أن ندرك معالم هذا المهجع الذي ضمنا من حيث لم
نحتسب . ولقد أدركنا لاحقاً أن البناء عبارة عن غرفة كبيرة مستطيلة ،
ثمة دورة للمياه على يسار الداخل من الباب ، فيها حمامان تتوسطهما مغسلة
وحوض . وأما بقية المهجع ففي حجم ثلاث غرف متتالية ، تحيط زاوية التقاء
جدرانها الأربعة بالسقف نوافذ مفتوحة على الدوام ، عليها قضبان من الحديد
وحسب ، غير أنها من العلو بما يكفي لمنع وصولنا إليها أو مشاهدتنا لما يجري
في الخارج عبرها . وفي السقف نفسه هناك فتحتان مساحة كل منهما متر بمتر
تغطيهما قضبان من الحديد الغليظ أيضاً ، يستطيع عناصر الشرطة الذين يتناوبون
فوقنا أربعاً وعشرين ساعة في اليوم أن يروا كل ما يدور بيننا من تلك
النافذتين ، أو الشراقتين كما تسميان باصطلاح السجون .
السخرة
ومضيت أتحسس جراحي وألملم
بدني المنهك في سكون .. وانشغل كل منا بحاله فلا تسمع إلا اضطراب الأنفاس
وأنات الألم تنطلق بين تارة وأخرى فلا يلبث صاحبها أن يكتمها ويشد على الجراح
بصمت .
وانقضت ساعتان أو أكثر
بقليل ، وفتح الباب فجأة ودلفت دفعة جديدة من المساجين الجدد تجاوز السبعين
أغلبهم شباب في مقتبل العمر من طلاب الثانوية العامة أو الجامعة .. علمنا
لاحقاً أنهم كلهم من مدينة حمص ، وأنهم نالوا مثل العذاب الذي نلنا ،
ولكننا لم نسمع أصواتهم لأن إجراءات الإستقبال تمت كذلك بعيداً في الباحة الأولى
مثلنا . غير أن الشرطة لم يحرمونا من أن نتنعم بسماع صيحات الألم والعذاب ،
فلم يلبث أحدهم أن فتح الباب ونادى فينا وكأن له ثأر قديم يريد أن يشتفي
منه :
وين المعلّم ولا ؟
فعلمنا أن الأمر جد
إذاً ، وأن الأخ لا بد وأن ينال عقوبة تلك النظرة الخاطفة . وخرج
المسكين وكان اسمه صالح الوقاع أستاذاً لمادة العلوم من مناطق دير الزور . وانهال
عليه الشرطي لطماً وصفعاً وجلداً ، وصراخه يصم آذاننا ويشوي قلوبنا ولكننا لا
نملك له إلا الدعاء .
ولم يكد هذا المشهد أن ينتهي
حتى فتح الباب مرة أخرى ونادى عنصر من الشرطة فينا :
من كان منكم عسكري ولا .
غير أن أحداً منا لم
يجب . أعاد السؤال فسكت الجميع . وفي المرة الثالثة رفع أحدنا يده وكان
اسمه وضاح الدن من قرى حلب وقال :
أنا سيدي .
قال الشرطي : أنت عسكري
ولا ؟
أجاب نعم سيدي .
قال الشرطي وهو يرمقه
بقرف : ماشي الحال .. قدم الصف لأشوف .
فوقف الأخ وفق الإجراءات
العسكرية ونادى فينا :
انتب......ه . است......رح .
است......عد .
وفي الوقت الذي لفنا الإضطراب
ولم نعلم بم نتصرف صاح الشرطي فيه :
بتقول استرح استعد المهجع
جاهز للتفتيش حضرة الرقيب . تفعل ذلك كل ما سمعت أي حركة على الباب
يا ...
فطور بالإكراه !
وخرج حضرة الرقيب ..
وجعلنا نحوقل في سرائرنا ونسأل الله اللطف والستر .. ولم يلبث أن فتح الباب
من أجل إدخال الفطور . وقفز الأخ من مكانه وصاح بنا اللازمة التي
تعلمها :
انتب......ه .
است......رح . است......عد .
ولكنه تلعثم قبل أن يعلن
جاهزية المهجع للتفتيش فلم نكن قد عرفنا بعد كيف يكون ذلك أو كيف ننفذ هذا الأمر
في هذه الظروف . ونادى الرقيب وهو يكاد يزمجر :
السخرة .. وين السخرة
ولا ؟
ولم يكن قد مضى على وجودنا في
المهجع وقت يكفي لنلتقط فيه الأنفاس فكيف لنا أن نفكر بالسخرة وبالطعام !
فلما وجد الرقيب الحالة لم تنضبط والأمر لم ينفذ سحب الأخ وضاح إلى الخارج وانهال
عليه صفعاً وركلاً ، فلما انتهى رمى به إلى الداخل ونادى من جديد :
من كان منكم عسكري
يا ...... ؟
في تلك المرة خرج الأخ جمال
عيار وأجاب . وكان جمال أو أبو الفضل كما كنا نناديه خريج المدرسة الشرعية
بحلب يخدم الجندية الإلزامية حين اعتقل . وكان رحمه الله ممتلىء الجسم قصير
القامة ، فناداه الشرطي سائلاً :
انت عسكري ولا ؟
قال بثبات واحتراف : نعم
سيدي .
قال له : أدخل الفطور
الآن .
ودخل علينا جمال بطشت
بلاستيكي فيه بعض قطع الجبن وأرغفة الخبز العسكري الجافة ذاتها . تبعها بسطل
من الشاي يبعث منظرة على القرف . ولم يكن لأحد لا قدرة وقتها ولا شهية لتناول
شيء ، لكننا وجدنا الشرطي ينادي من فتحة السقف فوقنا ويصيح :
الكل واقفاً ولا .
فانتفضنا وقوفاً كلنا .
وجهك عالحيط ولا .
استدرنا من غير أن ننسى هذه
المرة أن نغمض أعيننا ونخفض رؤوسنا نحو الأرض .
رئيس المهجع . شيل قطعة
الجبنة وطعميهن هالعرصات واحد واحد .
فأخذ أبو الفضل يطوف علينا
ويدس في فم كل منا قضمة جبن . فلما انتهى ناداه الشرطي من جديد :
املأ قصعة الشاي وشرّب هال...
بالتناوب .
ونفذ جمال ما أمر الشرطي
به . وجلسنا من ثم في أماكننا صامتين واجمين . وقتذاك كانت الشمس قد
سطعت وتسللت أشعتها الدافئة من نوافذ المهجع العليا فنشرت فينا الدفء والإرتياح
لبرهة . غير أن الباب لم يلبث أن فتح من جديد فقفز جمال ونادى
باللازمة . ودخل هذه المرة أبو جهل وبعض الزبانية حوله ونادى :
رئيس المهجع . ضب كل
المساجين لجوه .
فاجتمعنا كلنا في زاوية داخل
المهجع ، فيما دخل عدد من عناصر "البلدية" وفق مصطلح السجن الذي
تعلمناه لاحقاً ، وهم المساجين غير السياسيين من العساكر الذين يقضون
عقوباتهم في السجن . وأدخل أولئك كوماً من البطانيات المنتنة فكدسوها على
مقربة من أقدام المساعد والشرطة العسكرية وخرجوا . فنادى أبو جهل من
جديد :
الكل في صف واحد ولا .
فانتظمنا في صف واحد أخذ يمر
أمامه وقد أغمضنا أعيننا كلنا وخفضنا هاماتنا . فجعل الشرطة يسلمون كلاً منا
بطانيتين وكل اثنين منا عازلاً مشتركاً . والعازل عبارة عن خيمة بالية من
خيام الجيش مغطاة بالبطانيات العتيقة . فلما تم الإستلام وفوق البَيْعَة ما
لا يعد من اللعنات والشتائم قال أبو جهل يخاطب رئيس المهجع وبقية السامعين :
هذه البطانيات والعوازل
عهدة .. وكل واحد مسؤول عن عهدته ولا .
وتلقينا العهدة والتعليمات
والشتائم ونحن لا نزال مغمضي العيون خاشعي الحركة . وسمعنا المساعد وأزلامه
ينسحبون ويغلقون الباب علينا .. فألقينا عهدتنا الثمينة تلك وألقينا فوقها
أجسادنا المنهكة .. لا ندري ماذا نفعل أو نتوقع في الخطوة التالية .
التفقد
وبلغت الساعة حوالي الثانية
بعد الظهر . ووجدنا الباب يفتح من جديد . وانتفض الأخ جمال فقدم
الصف . ودخل الرقيب وصاح فيه :
صفهم خمسة خمسة للتفقد .
ولم يكن علينا إلا
التنفيذ . لكن الفزع الذي غمرنا جميعاً جعلنا نتدافع مضطربين كل منا يتحاشى
أن يأتي إلى طرف الشرطي ، فلما طال الأمر ولم ينتظم الصف دخل الشرطة علينا
وأوسعونا ضرباً وجلداً ، وجمال رحمه الله يجهد في أن يساعدنا على الإنتظام في
الصف قدر الإمكان . وتم الأمر أخيراً ، وعَدُّونا فكان العدد فوق
المائة . وصار واضحاً لدينا الآن أن هناك جزءاً أساسياً في البرنامج اليومي
يسمى التفقد ، الجلد والضرب والشتائم لوازم ضرورية لا بد وأن تلازمه ..
مثلما هي لوازم لا تنفصل عن أي مناسبة أخرى تتاح للشرطة فيها أن يسفكوا
دماءنا !
وخرج الشرطة .. وعدنا كل
إلى ذاته مطرق الرأس مشتت الفؤاد . لا يكاد واحدنا يسمع أدنى حركة حول المهجع
أو فوقه حتى ينتفض كالمحموم ! وكلما ود أحدنا أن يرفع الطرف لينظر حوله تذكر
ما حل بالأخ صالح فيرتد إليه طرفه وهو حسير !
وهكذا مضى اليوم .. ومرت
أيام أخر ، لا يجرؤ أحدنا أن يكلم جاره الذي ينام معه على عازل واحد ،
أو يهمس حرفاً لأقرب الناس إليه . والبرنامج اليومي يتكرر كاللازمة :
نستيقظ في السادسة ، فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين
واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب فننتفض جميعاً ونقف في حالة
الإستعداد . وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطور
مجازاً . فنزدردها بلا شهية ، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها
أحد . وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من
الطعام من قلة الشهية شيئاً . ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في
الحمام لأن أحداً لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه !
فإذا انتهى الفطور من غير
مشاكل حان وقت التفقد . فنستعد ونأخذ حسبنا الله لساعة تعذيب لازم .
وينال كل منا نصيبه المقدور .. ونعود إلى جلستنا مترقبين حذرين . ولا
يلبث الشرطة أن ينادوا علينا للتنفس هذه المرة . فنخرج إلى الساحة مطرقي
الرؤوس مغمضي العيون .. يمسك واحدنا أخاه الذي أمامه من وسطه ويتبعه
كالأعمى .. لتتلقانا الكبلات والعصي فتقودنا بالإكراه إلى حيث يشاؤون .
وترانا كقطيع مسعور نجري حول الساحة والكرابيج والكبلات والضربات تلاحقنا أنى
اتجهنا . فإذا زلَّ أحدنا أو وقع تعثر به البقية وتكوم فوقه
المتساقطون .. فتزداد فرصة الشرطة لزيادة الضرب ومضاعفة العذاب . ويعلو
الصياح وأصوات الإستغاثة ، فتعلو عليها عبارات الكفر والشتائم البذيئة .
فإذا انتهى وقت التنفس
وقادتنا الكَبْلات صوب المهجع من جديد ، تكون على الباب ملحمة أخرى
دامية . فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا
منها . عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطىء أقدامهم ، والسياط والهراوات
تلاحقهم من كل حدب وصوب . فتنحشر الأكتاف والرؤوس ، ويسقط من يسقط تحت
الأقدام ، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية . فلا تنتهي حفلة التنفس
تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم ، وأصيب أضعاف من نجا .
طعام ومنام !
وهكذا كنا نعود إلى المهجع
لنلعق جراحنا بصمت ، ونتأوه تخنقنا الحسرات والعبرات .. ويحين موعد
الغداء بعد حين .. ولا يلبث أن يأتي من ثم العشاء . ونحصي إذا قدرنا
نصيبنا الذي نلناه على مدار اليوم من الطعام فلا نراه يكفي لأن يسد رمق طفل
صغير : صمونتان صغيرتان جافتان للوجبات الثلاث . ورشفة شاي على الفطور
مع بضع حبات زيتون أو لحسة مربى أو حلاوة لا تملؤ ملعقة واحدة . ومرق أحمر
للغداء لا يكاد يكفي لكي يبلل الصمونة التي فتتناها فيه . وبعض حبات الحمص
المسلوق أو أجزاء من البطاطس المسلوقة للعشاء .. وحسب ! ولربما
استُبْدِلَ البيض بالبطاطس مرات ، أو شوربة العدس بالحمص المسلوق . لكن
قلة الكمية وسوء النوعية كانت تثير فينا الشعور بالجوع أكثر من أن تلبي حاجتنا إلى
الشبع ! فنصيبنا من البيض إذا حضر لم يكن يتجاوز البيضة الواحدة لستة
أشخاص . ومن الأرز ملعقة صغيرة واحدة للشخص . ومن اللحم أقل من رأس
العصفور في المناسبات . وإذا أحضروا دجاجاً كان نصيب المهجع كله خمس أو ست
دجاجات مقابل أكثر من مائة فم ! حتى أننا بتنا نعتبر الطعام نوعاً إضافياً من
العذاب ليس إلا ! وصار اعتيادياً بيننا أن نأكل قشر البرتقال وقشر البيض
والبطيخ ولا نرمي من الفضلات في القمامة شيئاً . ولكن النهار لا بد وأن
ينتهي ، ويحل موعد النوم في السادسة ، لكنه النوم الذي يحرم على صاحبه
أن يتنعم بالنوم فيه ! فالضوء داخل المهجع لا يطفؤ ليل نهار ، والشرطة
على السطح يراقبوننا باستمرار . ولو نمى إلى سمعهم صوت همس أو حس حركة من
بيننا علّموا صاحبها على الفور فكان نصيبه من العذاب في الصباح ما لا يسر !
ولقد كانت الصلاة وسط هذا
الظرف نوعاً من التهلكة بالطبع ، ولكم أخرج الشرطة رئيس المهجع وانهالوا عليه
ضرباً يسألونه عمن يصلي عنده من المساجين ليدلهم عليه . ولذلك كنا نصلي إيماء
من أول يوم . كل بسرّه وحده من غير ركوع أو سجود . لكن النعمة التي
وجدناها في ذلك المهجع كانت في الحمام . فلم يكن من رحمة الله للحمام شراقة
تكشفه ، ولذلك كنا نتوضأ آمنين ، وننسحب إلى بطانياتنا فنستلقي تحتها
ونصلي موميين بسكون وهدوء .
إلى الحلاق !
وانقضى قرابة أسبوع على هذه
الحال .. وبدأنا نألف الوضع الجديد ونتأقلم معه . وأخذنا نجرؤ على النظر
إلى بعضنا البعض والهمس فيما بيننا ولو بكليمات . وقام الأخ جمال رئيس المهجع
فقسمنا إلى مجموعات صغيرة للسخرة ، فساعدنا ذلك على الخروج من حالة الوجوم
تلك ، وبدأنا نتعرف على الأفراد المحيطين بنا من غير أن نجانب أقصى أسباب
الحذر . لكننا وبعد أن ظننا أن البرنامج استقر على هذه الحال فوجئنا بهم
ينادوننا للخروج من المهجع مرة واحدة في غير موعد التنفس . ووجدناهم يسوقوننا
مغمضي العيون إلى زاوية من زوايا الباحة تلاحقنا الجلدات والسياط كالعادة .
وهناك صفونا على الجدار وجعلوا يخرجوننا خمسة وراء خمسة في صف واحد ، لنجد في
انتظارنا ثلاثة من السجناء العسكريين الذين يسمون "البلدية" بلغة السجن
يقومون بدور الحلاقين . وغالباً ما يتم اختيار أولئك من أبناء طائفة النظام
الذين يقضون عقوبة ما في سجن تدمر ، فلا يقلون حقداً ومكراً عن بقية السجانين
من الشرطة العسكرية . وعندما يصل واحدنا إلى أول الحلاقين يأتيه الإيعاز
بلهجة الأمر :
وراء دُرْ .
فيستدير .
ارفع راسك .
فيرفعه من غير أن يفتح
عينيه . ويمر الحلاق بالفرشاة والصابون على الذقن فيطريها . ويرسله إلى
الحلاق الآخر فيفعل ما فعل الأول . وينتهزها "البلدية" فرصة
لينفثوا فينا أحقادهم الطائفية . فشتيمة من هنا ، ودس للفرشاة في الفم
أو الأنف من هناك ، ولطمة أو صفعة هنالك .. وأما المسبات فكلها بالمجان
وعلى الحساب ! وعندما نصل للحلاق الثالث على الشاكلة نفسها ، يمر بالموس
على الذقن فيحلقها ، والشرطة من ورائنا يصيحون فيه :
اذبحه هذا الكلب .. أو
اسلخه هالعرص .
فيلبي الحلاق الطلب بكل
امتنان ، فيضيف على الوجه جرحاً أو أكثر . ولا يبخل بمزيد من الصفعات
والمضايقات . فإذا انتهى انتقل الصف إلى حلاقة الشعر ، فيجثو السجين على
ركبتيه ، يداه وراء ظهره وعيناه مغمضتان . وأؤكد هنا أنني طوال السنوات
التي أمضيتها في تدمر لم أشاهد وجه الشخص الذي كان يحلق لي قط إلا خلسة ..
وكنت دائماً مثل الآخرين مغمض العينين مطبق الجفنين ! وعندما تنتهي حلاقة
الرأس واللحية والشاربين التي تستخدم بها ماكينة يدوية بالطبع ربما انتزعت الشعر
بدل أن تحلقه ، أو أصابت الوجنات فأدمتها لتبهج الحلاق .. عندما تنتهي
يأتي الإيعاز من الشرطة خلفنا :
منبطحاً .
فننبطح .. ويتقدم واحد
منهم أو أكثر ليقدموا لنا ما كنا نسميه "نعيماً" الحلاقة ! فيبدأوا
بالقفز فوق ظهورنا ، أو يوسعونها جلداً وركلاً ، ولا ينسوا نصيبنا
وافراً من الشتائم والمسبات . فإذا انتهوا وقت أن يحلو لهم الإنتهاء ،
عدنا محطمين إلى الجدار من غير أن يكف الشرطة عن جلدنا وضربنا وركلنا ونحن ننتظر
أن ينتهي المهجع كله من الحلاقة .
ولقد كانت مفاجأة لنا أول مرة
حينما عدنا بعد هذه المعمعة إلى المهجع وأقفلوا علينا الباب ، فوجدنا أنفسنا
بالقرعة تلتمع رؤوسنا كثمر البطيخ .. فلم نتمالك أنفسنا من الضحك رغم
الألم . ثم وجدنا أنفسنا بعد ذلك لا نألف إلا هذا الشكل فينا ، ولا نعرف
إلا هذا النوع من الوجوه !
حمام الدم !
وانتهت الحلاقة ، لكن
البرنامج لم ينته . ولم يلبث مناديهم أن نادى فينا :
الكل برة بالشورت ولا .
فظننا أنها حفلة تعذيب
جديدة . وبدأنا نراجع أنفسنا علنا ندرك ما حدث . ووجدتنا نساق مغمضي
الأعين عاريي الصدور مكشوفي الظهور حفاة نتبع واحداً من الشرطة كالنعاج لا صول لنا
ولا قوة . تتناوشنا السياط من كل اتجاه ، وتهوي علينا الصفعات والركلات
في كل خطوة . وعندما صادفنا "البلدية" الذين كانوا يوزعون الطعام
على إحدى الباحات في طريقنا وجدناهم يهجمون علينا فكأننا الطريدة العاجزة أمام
كلاب الصيد ! وانتهت بنا المسيرة بعد قرابة الربع ساعة إلى الباحة الأولى
ليعلموننا هناك أنها ساعة الحمام أتت .
وعندما يذكر الحمام عادة
يتبادر إلى الذهن الماء الدافىء أول ما يتبادر .. والصابون والطيب
والإسترخاء .. لكن الأمر لم يطل بنا لنعرف الحقيقة . ووجدناهم يقسموننا
قسمين : أبقوا الأول في الباحة وأمروهم أن يجلسوا جاثياً ، رأسهم إلى
الأرض وظهرهم العاري مكشوف للشرطة ، وساقوني مع القسم الثاني إلى
الحمام .
ودلفنا أكثر من خمسين شخصاً
على عدد من المقصورات لايتجاوز عدد أصابع اليدين ، وجاءنا الإيعاز بالدخول
تحت الدشات ، فكنا ستة أو سبعة أو ربما أكثر كلنا تحت دش واحد ! وانصب
علينا الماء البارد مرة واحدة ، لكن صوت السياط التي أخذت تجلد ظهور إخواننا
الذين في الخارج أنستنا وكأنها طلقات الرصاص أحاسيس التجمد ، وأبدلت قشعريرة
البرد التي سرت فينا رجفة الخوف من المصير المرتقب ! وجعل بعض أفراد الشرطة
يدخلون وراءنا فينعمون علينا بلسعات الكرابيج مقدماً . وأمرنا بعضهم أن نخلع
سراويلنا ونكشف عوراتنا زيادة لنا في الإهانة والعذاب .. ولم نجد بداً إلا أن
ننفذ .. والزبانية بين ضاحك وساخر وشاتم .
وانتهى الأمر خلال خمس
دقائق .. وخرجنا تتقاطر منا المياه لتتلقانا السياط التي سبق ونالت من ظهور
الإخوة قبلنا . وزادنا ألماً وعذاباً أن عبرنا فوق مجاري الحمام المفتوحة
فتعثر فيها من تعثر وارتطم بحوافها القاسية من كان له نصيب لم ينته من
البلاء .. فلما انتهت الدفعة الثانية خلنا أن دهراً بأكمله انقضى ..
ومضينا تدفعنا السياط والصفعات إلى المهجع مغمضي العينين كما أتينا . وتدافعنا
على الباب ككل مرة ، فتعثر من تعثر .. وشج من شج .. وارتض من
ارتض . وكان الحمام حقيقة الأمر حمام دم بكل معنى الكلمة .
وارتمينا بعدما أغلق الباب
علينا كالقتلى على الأرض . ما منا إلا من يئن أو يتأوه .. وليس فينا إلا
جريح أو معنّى . لكن المأساة لم تكن انتهت بعد .. والمهزلة كانت تنتظر
فصلها المضحك للختام . فما هي إلا دقائق حتى فُتِحَ الباب ، ودخل الشرطة
فأبلغوا رئيس المهجع أن علينا أن ندفع أجرة الحلاقة والحمام .. فوراً وفي
الحال !
وأتى الأخ ينتظر منا
الجواب .. وليس لدينا من جواب إلا التسليم في كل مرة .. وتقدم من سَلِمَتْ
نقوده في الأمانات فدفع .. واندفعنا بعدما هدأ الحال إلى حمام مهجعنا لنغسل
ما كسى أجسادنا من دم وشعر وتراب ، فما كدنا ننتهي حتى كان اليوم قد
انتهى .. وانتهت فينا كل ذرة من طاقة وجَلَد .. فارتمينا على بطانياتنا
الرثة نلتمس ساعة نوم هادئ قبل أن تدهمنا مفاجأة جديدة .. أو تحل علينا من
القوم نازلة لم تكن في الحسبان !
ولقد استمر نظام الحمام
البئيس هذا مرة كل أسبوع حتي عام 1984 حيث صدرت الأوامر وقتها بأن يتم الإستحمام
في حمام المهجع نفسه . وأما الحلاقة فاستمرت حتى عام 1986 حيث انتشر مرض
اليرقان - كما سيأتي بأذن الله - فكان ذلك البلاء سبباً في رفع هذا البلاء !
من رحمات الله
ومرت أيام أخر .. نزداد
اقتراباً من بعضنا وائتلافاً بمقدار ما يزداد الهم وتتنامى المعاناة . ومع
تقادم الخبرة بدأنا ندرك كيف تمضي الأمور حولنا .. وتعلمنا أن الشرطة
يتعاقبون على حراسة سطح المهجع . فصرنا ننتهز فرصة انشغالهم بالإستلام
والتسليم لنتحدث بحرية أكثر أو نتحرك من غير خوف . ومع اعتياد المكان والحال
بدأنا ومن نعمة الله علينا نسمع صوت الأذان الآتي من مدينة تدمر المجاورة .
فلم يكن من أنيس لنا مثله أبداً . وكأنما أحس الزبانية بأثر هذه النعمة علينا ،
فكان بعضهم إذا ارتفع الأذان علانا وأطل علينا من الشراقة وجعل يتبع كل تكبيرة
بكلمة الكفر .. وكل تهليلة بمسبة فاحشة واستهزاء بالله تعالى . وكنا
علاوة على الأذان تبلغنا حتى أصوات السيارات العابرة على الطريق في بعض
الأحيان .. فنغتم من ذلك ونتحسر .. لا نتخيل كيف تسير الحياة طبيعية على
بعد خطوات منا ونحن في هذا الجحيم لا يدري منهم بحالنا أحد !
ولقد كان من رحمات الله بنا
أن أحضروا لنا في بدايات الأسبوع الثاني ممرضاً مجنداً طاف على المهاجع وسجل
احتياجاتنا الضرورية من العلاجات . ووجدناه يحضر لنا بالفعل بعض ما
طلبنا .. وكان أكثر ماكنا نريد مراهم الجروح والإلتهابات .. فمن بين هذا
الجمع من البؤساء كان ثمة من هو في أمس الحاجة لها قبل أن يصل هذا المكان ..
مثلما كانت الحاجة إلى العلاجات متجددة على الدوام لدوام الضرب الوحشي والتعذيب
والتشنيع .
جروح وقروح
ولقد كان من أكثر سكان مهجعنا
سوءاً في حالته الصحية الأخ نديم منصور الذي حملته أنا وجمال عيار ساعة وصولنا كما
ذكرت . وكان المسكين قد أصيب أثناء اعتقاله برصاصة في ساقه وأخرى في
يده . وكان ثمة أخ آخر هو هيثم ملا عثمان مصاباً بالرصاص أيضاً في
رجله . وهو أحد الإخوة السبعة عشر الذين هربوا من سجن كفر سوسة ثم اعتقل من
جديد وأصيب أثناء ذلك . وتنقل الأخَوَان من فرع مخابرات إلى آخر حتى وصلوا
تدمر من غير أن ينالا من العلاج شيء ! وكان أمراً عجيباً أن ظلا على قيد
الحياة فعلاً . فالرصاصات التي مزقت اللحم وهشمت العظام استقرت هناك . وتقطعت
كما يبدو أعصاب المنطقة فلم تعد الأعضاء تتحرك . ونمت العظام من جديد والتأمت
بقدرة الله ولكن على غير وضعها السوي . ولذلك فلم يكن نديم أو هيثم يقدران
على السير مطلقاً . وكنا نتعهدهما بأنفسنا في الحركة والسكنة . ولم يكن
أمامنا ساعة التنفس أو الحمام إلا أن نتركهما في المهجع بعد الإستئذان من
الرقيب . فإذا تلاءم ورفض حسب المزاج كان علينا أن نحملهما حملاً . وظل
المسكينان في معاناة دائمة حتى كان إعدامهما عام 1984 .
كذلك لم تكن معاناة الأخ حسين
عثمان نتيجة تعذيبه بالكرسي الألماني أخف كما ذكرت . وكان رحمه الله دائم
الإستلقاء منعدم الراحة . ولم يسلم برغم ذلك من التعذيب كما سيأتي ..
حتى اختاره الله إليه ونال شرف الشهادة عام 1982 .
وأما بقية الإخوة ، ورغم
أنهم كانوا في حالة أفضل أو إصابات أخف ، إلا أن آلامهم لم تكن لتكف ،
وجروح بعضهم التي خلفتها حفلات التعذيب الأولى في فروع المخابرات أو تلك التي زادت
عليها في حفل الإستقبال بتدمر لم تشف إلا بعد شهور . وزاد علينا القمل الذي
حملناه في أجسامنا من فروع المخابرات إلى تدمر ، فانتشر في المهجع وتفشى بين
الجميع .. ولجأنا إلى نظام التفلية من جديد كإجراء وحيد نخفف منه من شر هذا
البلاء !
كعبة الزبانية !
وبدأت نفوسنا تعتاد هذه
الحياة القاسية يوماً بعد يوم . وجعلنا في حسابنا أمر التفقد وما يصاحبه من
عذاب الإستفتاح كل يوم .. والتنفس والحلاقة والحمام . وجعل الإخوة
الشباب الأصحاء يحرصون أن يقفوا من ناحية الشرطة ليفتدوا إخوانهم المسنين والضعفاء
ويحمونهم من أن تطالهم سطوة الظالمين . وكان معنا عدد من المعتقلين ممن
جاوزوا الستين والخامسة والستين ، أذكر منهم شريف البعث والحاج محمد غرير
وكلاهما من ادلب ، وابراهيم طوبل وعمر حيدر الذي توفي رحمه الله بالسكتة
القلبية عام 1986 والرجلان من المعرة . كذلك كان معنا الحاج أحمد البربور من
أريحا . وكان الزبانية يحرصون على تعذيب هؤلاء الرجال أكثر ويظنونهم لكبر
سنهم ولإصابة بعضهم بالصلع الطبيعي أنهم من قيادات الإخوان ! فكنا نجنبهم
التعرض للعذاب قدر الإمكان ، ونأخذ عنهم دورهم في سخرة الطعام . فينال
الأخ المتطوع الجلدات واللطمات ويضحي بما قد يكون حياته ذاتها فداء لإخوانه .
وكان الأخ جمال رئيس المهجع
قد قسمنا إلى مجموعات كما ذكرت ، فكان ذلك سبباً في ضبط المهجع وتقليل
المشاكل مع الشرطة من جهة ، وعاملاً في تآلفنا وتعارفنا من جهة أخرى .
حتى بتنا كأبناء أسرة واحدة يواسي بعضنا بعضاً ، ويساند أقوانا الضعيف
فينا .. ويدخر كل منا وسعه للتخفيف عن أخيه . ولا أزال أذكر ممن كان في
مجموعتي الأولى الأخ أبا رشيد حسين عثمان . وأخاً آخر من حمص اسمه أمجد
طيارة . والأخوين ابراهيم أحمدو ومحمد طاهر مصطفى من أريحا .
وإذا كانت الأحداث المرة
وتعاقب السنين قد أنستني من الأسماء والحوادث الكثير فإنه مما لا ينسى عن أحداث
تلك الأيام وذكريات هؤلاء الإخوة المسنين يوم أن عرف واحد من الشرطة اسمه شحادة
الذي ينتمي إلى طائفة النظام أيضاً أن الحاج أحمد غرير قد ذهب لحج بيت الله في يوم
ما ، فمد الزنيم قدمه أمام الناس وقال لهم هذه هي الكعبة . وأمر الرجل
أن يقبل حذاءه مثلما قبّل الكعبة هناك . ولم يكن للمسكين إلا أن يطيع خشية ما
لا تحمد عقباه .
همجية التعذيب
وانقضى أسبوع آخر ..
ودخلنا أسبوعنا الثالث على تلك الحال . وفوجئنا ضحى أحد الأيام بدفعة جديدة
من السجناء تجاوز الستين تدخل إلى المهجع قادمين من حلب هذه المرة . يحضرني
الآن من أسمائهم الإخوة رياض الشاوي وحسين ألطُنْجي وكلاهما من حلب . الأول
مهندس مدني والثاني طالب ثانوي . وأحمد عنعن طالب هندسة مدنية ، وأحمد
حمزة وهذان من من مدينة الباب . وكان الأخير مدرساً . فوصل عددنا الكلي
قرابة المائة والثمانين .. وأصبحت حصة كل منا في النوم شبراً وأربع أصابع
وحسب ! فكان الواحد منا إذا أراد التحرك في الليل أيقظ بحركته أكثر أهل
المهجع . ولو أحس الشرطي فوقنا بأدنى حركة بيننا في الليل خاصة كان ذلك
كافياً ليعلّم من يشاء ويخرجه في الصباح التالي لينال نصيبه من القتل
والتعذيب .
لكن وصول الإخوة الجدد كان
نوعاً من التسرية المؤقتة لنا ، مثلما كان وجودنا من قبلهم عوناً لهم على
تفهم الوضع وتعلم الأنظمة الجائرة تجنباً لأي مزيد من العذاب . وسرعان ما
انضم القادمون إلى مجموعات السخرة والطعام .. وجعلنا نسمع منهم أخبار الحياة
خارج هذه الأسوار .. ويسمعون منا ما وجدناه منذ وصولنا هنا .. فشغلتنا
الأحاديث ونشطتنا .. ووثقت بيننا العرى وألفت بيننا . وكشفت لنا في نفس
الوقت أوجهاً أخرى من جرائم النظام وممارسات مخابراته الوحشية ، وأطلعتنا على
أساليب من التعذيب يمارسها أولئك الزبانية عافانا الله نحن منها وابتلى بها
إخواننا في حلب . رأيت بنفسي نموذجين منها كان الأول هو الأخ حسين ألطنجي
الذي استخداموا معه في فرع المخابرات بحلب الضرب المباشر بالبلطة على مشط قدمه
لإجباره على الإعتراف السريع ، فكادت أن تقطعها ، وظل رحمه الله يتألم
منها ولا يستطيع المشي عليها حتى إعدامه بعد عدة شهور . واستخدموا مع الآخر
أسلوب الحرق بالمدفأة الكهربائية ، والتي بقيت آثارها محفورة على ظهره شاهداً
على همجية هؤلاء الزبانية .. وكان طالباً اسمه مأمون كردي من حماة أعدم هو الآخر
بعد مدة رحمه الله .
مع كتاب الله
انقضت أحاديث التعارف وروايات
المعاناة وقصص الداخل والخارج واتجهنا قدر الإمكان إلى تنظيم أمور حياتنا بما
يفيد . فالسجن الذي كتبه الله لنا يظل على فظاعته فترة انتقالية لا بد وأن
تنتهي ، سواء بانتهاء الحياة أو بالفرج . وليس ثمة شيء نتزود منه أجلّ
من كتاب الله تعالى . ولذلك دب فينا نشاط عجيب لحفظ أكبر قدر من القرآن
الكريم ، حتى إذا شاءت إرادة الله ووافنا الأجل كان آخر عهدنا في هذه الدنيا
مع كتابه الكريم . وسرعان ما نشأت بيننا حلقات الحفظ بالتلقي .. فلا
مصاحف لدينا بالطبع نحفظ منها . ولذلك كنا نتبادل حفظ السور من بعضنا
البعض ، فيجلس أحدنا إلى أخيه إذا هدأت الأمور وانتهت حفلات العذاب ليسمع منه
ما يحفظ ، ويظل يردد وراءه الآية بعد الآية هامساً ويَعُدُّهُنَّ على سُلامات
الأصابع . فإذا أنهى خمساً منهن وثبتهن في ذهنه عاد فأخذ خمساً تاليات .
حتى إذا انتهى اليوم وحل الليل وهجع الخلق رأيتنا نتعاقب على الحمام خلسة فنتوضأ
ونعود لنصلي ونحن مستلقين تحت البطانيات إيماءاً منفردين .. نعيد تلاوة ما
حفظنا في النهار .
وعلاوة على ذلك وإذا سنحت
الفرصة أخذنا نحاول أن نستفيد من كل علم يعلمه أخ بيننا ، أو رأي أو موضوع له
فيه اطلاع . لكن ذلك ما كان يتم إلا بشكل فردي .. أو ربما بين أفراد
المجموعة الواحدة وبمنتهى الحرص والحذر .
الكوليرا
ولم تكن بلاءات هذا المكان
المريع لتتوقف .. فذات صباح في صيف عام 1981 استيقظنا على أصوات التقيؤ
وصيحات الألم المكتومة في المهجع .. ووجدنا حالة من الإسهال الشديد أصابت
الكثيرين بيننا . وأخذت العدوى تنتشر يوماً بعد يوم ، وجعل الإخوة
يتساقطون من الإعياء داخل المهجع أو في وقت التنفس . وكانت الفاجعة بأنها
الكوليرا قد سرت . ولم نلبث وقد استشرى الأمر أن وجدنا طبيب السجن محمد يونس
العلي يمر على المهاجع ويسأل عن عدد المصابين ويسجل ذلك عنده . وبعد ساعتين
أو ثلاث عاد الشرطة وطلبوا من رئيس المهجع أن يخرج هؤلاء المصابين جميعاً لينتقلوا
إلى مهجع 13 في الباحة الثالثة فتحوه للمصابين . فخرج من مهجعنا وحده حوالي
الأربعين . وأمضى الإخوة في العزل عدة أسابيع قدمت لهم إدارة السجن وقتها
علاجات مباشرة خشية أن ينتشر المرض فيشمل الشرطة والسجانين أنفسهم . أو أن
يتعدى حدود السجن فينتقل عبر المجاري التي كانت تتصل مع شبكة مجاري بلدة تدمر
وتنتهي في حقول المزارعين لترويها !
لكن المثير في الأمر أن هذه
الحركة ساعدت العديدين على الإلتقاء بأقارب لهم أو أصدقاء كانوا في مهاجع أخرى
والإطمئنان على أحوالهم . وكانت كذلك سبباً في وصول أخبار جديدة إلينا وتسريب
أخبارنا إلى بقية الإخوة . ولقد بلغنا وقتها أن السجناء في بعض المهاجع
اكتشفوا آثار إطلاق الرصاص وبقايا دم آدمي لا تزال موجودة على السقف والجدران من
أيام مجزرة تدمر الكبرى في شهر حزيران من عام 1980 . لكن الأهم من ذلك
بالنسبة لنا كان تمكن عدد منا من حفظ آيات وسور من القرآن الكريم لم تكن في
مهجعنا . علاوة على انخفاض نسبة التعذيب واعتداءات الشرطة الذين باتوا
يتجنبون الإحتكاك بنا خشية العدوى ! ولقد علمنا بعد عودة الإخوة أن وفيات
حدثت بالفعل بين مصابين من مهاجع أخرى ، أذكر من أسمائهم الأخ ناصح شنيطي من
دمشق . لكن لطف الله تعالى ورحمته كانت واضحة في هذه المحنة . وبرغم
انعدام العناية الصحية اللازمة وقلة التغذية وسوء الأحوال فقد مرت الأزمة بأقل
الخسائر وقد كنا نتوقع أن تودي بحياة المئات .
مهجع النساء
لم يطل المقام بنا كثيراً في
تدمر حتى تأكد لنا أن هذا المكان الرهيب يضم بين جدرانه أخوات سجينات أيضاً خصصوا
لهن غرفة المستوصف السابقة وحولوها إلى مهجع للنساء .
ولقد تأكد لنا الأمر أول مرة حينما استدعوا إلى التحقيق أخاً من مهجعنا اسمه بسام سفُّور من حمص كانت تهمته تأمين جواز سفر لبعض الأشخاص الملاحقين . ويبدو أن امرأة غير مسلمة اسمها أم طوني كانت قد باعته الجواز أو شاركت في عملية تزويره ثم اعترفت عليه . فلما استدعوه للتحقيق في السجن نفسه واجهوه بها . واستطاع بعدما انتهى التحقيق أن يراهم يدخلونها غرفة المستوصف التي سجنوا فيها النساء . وفي مرة تالية وبينما كنا في التنفس استطعنا أن نلمح عدداً من النساء المحجبات في ذلك الجانب من الباحة فتأكد لنا وجودهن هناك . لكننا لم يكن ممكناً لنا أن نعرف عنهن أكثر أو أن نقدم لهن أي عون .